قضى السيد المهندس رئيس الحي ــ حفظه الله ــ بكل حسم على بؤرة الملحدين الواقعة في دائرة حيه. الآن لن يجد الملحدون (وعددهم في مصر بالضبط ــ وفقًا لدار الإفتاء ــ 866 نفرًا) وكرًا يأوون إليه ليمارسوا الإلحاد، وهدم الأديان، وترتيل كتابات ريتشارد داوكنز آناء الليل وأطراف النهار.

أتمنى الآن ــ كأي مواطن صالح ــ أن يواصل رئيس الحي الهمام إنجازاته، مستغلًا ذهول أعداء الدين من هذه الضربة القاصمة، وأن تكون الخطوة التالية هي أن “يندار” سيادته بكل قوته على بؤر أشقائهم في الكفر من الوثنيين.

***

همسة في أذن السيد رئيس الحي: لا تدع نشوة انتصارك تُنسِكَ الفرق بين الملحد والوثني. الملحد لا يعترف بالآلهة أصلًا، ولا يعبدها، أما الوثني فهو يبجل الأوثان، ويمجدها، ويرفعها إلى مصاف الآلهة.
الكفر ليس ملة واحدة يا سيدي رئيس الحي.

***

فاصل سينمائي:

يرفع سيادته معوله. تحرك غيرته العظيمة على الدين عضلاته المتحفزة، وبنفس الهمة التي استطاع بها تقويض جميع المخالفات في حيه، يهوي بالمعول على الوثن الأكبر ليهدمه. يصيح كبير سدنة الوثن في وجه إلهه الأصمّ مبتهلًا: صُبّ عليهم نقمتك وغضبك.

صُبّ عليهم نقمتك وغضبك. لا يرد الإله، فيواصل كبير السدنة: يا إلهي. “جاوبني.. بُصّ لي.. قرّب”. صب عليهم نقمتك وغضبك. صُبّ عليهم نقمتك وغضبك.

قبل أن يكمل الكاهن دعاءه، تتراخى يد رئيس الحي عن المعول، ثم يصيح متألمًا: وي! يا ويلتا.. شُلت ذراعي.

في ابتهاج يصيح الكاهن: أرأيتم؟ هذا انتقام الرب. هذا انتقام الرب.

وهنا يفاجئه رئيس الحي بضحكة مجلجلة وهو يلوح بيده قائلًا: إنها سليمة.. إنها سليمة.

يفرح المؤمنون “بالاشتغالة”، ويُبهت الذين كفروا، ثم يستكمل رئيس الحي وسكرتير الحي هدم الأوثان، بينما تصدح في الخلفية الموسيقى التصويرية “الله أكبر الله أكبر”.

***

نعم يا سيدي رئيس الحي. في مصر وثنيون أيضًا ينبغي أن تحاربهم. لقد أنشأ الملحدون قهوة خاصة بهم فأمكنك غلقها. لكن “قهوة الوثنيين” لم تنشأ بعد. إنهم أكثر عددًا بكثير ـ بحيث لا تتسع لهم قهوة، وهم متفرقون منتشرون في الصحف والقنوات الفضائية ومظاهرات التأييد ومؤتمرات المبايعة.

يكتب أحدهم ـ قبل أن يتولى الحاكم سدة الحكم ـ متوقعًا أنه “سيكون إلهًا إذا حكم، لكنه ليس مسؤولًا عن ذلك بكل تأكيد”. هذا الكاتب صار لاحقًا يسعى بقوة إلى منصب كبير السدنة، وحامل المباخر، الطائف حول وثن الإله، وأحد مسؤولي حملة التأليه، واستخدم سلطته الكهنوتية فزوّج البلاد من الحاكم، ولقنها بنفسه صيغة القبول “زوّجتك نفسي”.

نعم. بدأ تأليه الحاكم من قبل أن يحكم. بدأ عندما قال كاهنٌ بالكنيسة القبطية في مؤتمر أقيم بالأقصر لتأييد ترشيحه إنه هو “الذي منحنا بعد الله الحياة”، ولذلك ــ كما كتب وثني آخر في إحدى الصحف في الشهر نفسه ــ فقد قابل سيادته الله مرتين.

***

كيف يكون كاهنًا في الكنيسة وسادنًا وثنيًا في الوقت ذاته؟ كيف يوفّق بين مهنتيه؟ أي المهنتين هي مهنته الإضافية؟

***

أحدهم ـ في جريدة خاصة ـ قام بتحوير آية قرآنية خصيصًا لتلائم الفائز الجديد بالحكم فكتب “لمن الحكم اليوم؟”. منعه الحياء ـ فيما يبدو ـ فلم “يزوّدها” ويكمل تحوير الآية، ولم يصف رئيس الدولة الجديد بالواحد القهار، لكن صحفيًا فعلها وتملقه ببيت شعري قديم ـ في نفاق حاكم قديم ـ جاء فيه نفس الوصف.

ثم فعلتها امرأة مجهولة في مؤتمر نسائي فأضافت إلى “أسمائه الحسنى” اسمين جديدين.

كيف تترك كل هؤلاء الوثنيين يمرحون في بلادنا هكذا يا سيدي رئيس الحي؟

كيف تترك ذلك المشتاق إلى منصب كبير السدنة يقول بلا مواربة إنه لم يندم على مقال رفع فيه الحاكم إلى مصاف الآلهة، مع أنه هو نفسه الذي أكد في مقال آخر قبل خمس سنوات أن “مصر ليست بلد جمال عبد الناصر ولا أنور السادات ولا حسني مبارك”.

ولكن لأن البعض تعجبه وثنيته ـ ويعتبرها حبًا للوطن ـ بينما يبغض وثنية الآخرين، فلم يكن غريبًا أن ينتقد نفس السادن المشتاق ـ في مقال كتبه قبل عام تقريبًا ـ تصريحًا قال قائله: “أسأل الله أن يتوفاني على الإخوان”، ساخرًا منه بقوله: “وأظن أنه كان قاب قوسين أو أدنى من تلاوتها: “أشهد أن لا إله إلا… المرشد”.

أناشدك الله، ثم غيرتك الدينية، أن تتولى شأن هؤلاء الوثنيين قبل أن يستفحل أمرهم ويهددوا أدياننا السماوية.

***

“كلما علا صوت النظام قلّ فعله، وكلما كثرت الأناشيد كثرت الهزائم، وبقدر ما يرتفع الزعيم في العلالي يندفن الشعب في التراب” – محمود السعدني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد