يدخل رئيس التحرير مبنى الجريدة مهللًا وفرحًا كأنه فاز بانتخابات الرئاسة، يلتف الجميع حوله في تعجب وترقب، ينادى على الجميع، كل الصحافيين، وحتى عمال البوفيه يتركون أمكانهم، ويلتفون حوله.

سادت لحظات صمت رهيب، وتساؤلات وهمسات بين الجميع، حتى انطلق بصوت عال «فيه حد من الجرنال هيروح يغطي الأوسكار السنادي؟» تنطلق الأفراح والزغاريد في أرجاء المبنى، ويهنئ الصحافيون بعضهم بعضًا، وتلمع عيونهم جميعًا من الفرحة؛ فقد يكون أحدهم هو المختار، الذي سيذهب إلى أمريكا، ويرى النجوم الذين لا يراهم إلا عبر التلفاز أو على الإنترنت، سيكون يومًا عظيمًا في نيويورك، وتمثال الحرية، ونجوم هوليود، وقد تستلطفه إحدى ممثلات هوليود وتتزوجه، ويأخذ الجنسية ويعيش عيشة هنية.

ولكن قاطع أحلام الجميع رئيس التحرير قائلًا: لقد اخترت «مدام تيت تيت» لتكون الواجهة المشرفة لنا ولمصر كلها، ولا تنسوا جميعا أن مدام تيت تيت ستكون أول مراسلة مصرية في حفلات الأوسكار؟ ينطلق صوت من أحد الصحافيين الشبان قائلًا: ولكن لماذا اخترت مدام تيت تيت بالذات يا أستاذ تيت؟

سؤال محرج، ولكن له رد عملي استغرق أستاذ تيت قليلًا في التفكير، ثم قال: «لأن إنجليزية مدام تيت تيت ما لهاش حل» وستتذكرون ما أقول لكم عندما تشرفنا جميعًا في حفل الأوسكار.

مدام تيت تيت على متن الطائرة التي تقلها إلى أمريكا، وتمسك بورقة «فولوسكاب» بين يديها، وتقرأ فيها: «واتس ابوتس يور فرست أوسكار؟ واتس ابوتس يور فرست أوسكار»!

وتتحدث مع نفسها قائلة: «غيبا بقى»! تضع يدها على عينيها وتردد: واتس ابوتس يور فيرست أوسكار؟ واتس ابوتس يور فرست أوسكار؟ تسند ظهرها إلى مقعد الطائرة في راحة، وترتسم على شفتيها ابتسامة رضا، وتقول: سوف أبهر دي كابريو بالسؤال، وربما يفقد الوعي ويرتبك من عظمة السؤال.

وفجأة تختفى الابتسامة من على شفتيها وتعتدل في جلستها، وتقول: «أضيف: آيم ذا فرست إيجيبشن، ولا واتس ابوتس… كفاية؟»

لماذا اختيارتنا سيئة؟

هكذا نعيش في مصر هذه الأيام، حالة من الفوضى في الاختيار، التبست المفاهيم، وأصبحنا نفكر عكس الاتجاه،

المناصب والكراسي أصبحت تحمل وجوهًا غريبة لا تصلح أبدًا لأماكنها، لماذ اخترنا هذا الشخص هنا؟ ما الذي أثر علينا وجئنا به إلى هنا؟

اعتبارات عديدة جعلتنا نختار هؤلاء الأشخاص بدون وعي، وبدون إدراك، كالجهل والفقر وقلة الحيلة والإعلام، ولكنها في النهاية اختياراتنا، نحن مسؤولون عنها، ومسؤولون أيضًا عن تبعاتها.

أوقف رئيس الجمهورية أحد أعضاء مجلس الشعب الذي كان يناقشه في سبل تأجيل رفع الدعم عن الشعب المطحون، والذي لم يفق بعد من تبعات موجات الغلاء المتلاحقة في عهده، ولكن رئيس الجمهورية أوقفه قائلًا بتهكم:انت مين؟

الرئيس يعلم جيدًا من هو؟ يعلم أنه دمية يحركها كيفما يشاء، فكيف تتكلم الدمية، وتحرج سيدها؟ والنائب أيضًا يعرف نفسه، ولا يعلم كيف أقحم نفسه في مثل هذه الأمور! فقد اختاره الشعب ليكون دمية، فلماذا يخرج عن النص المرسوم له، والرئيس نفسه يعلم أن شعبه اختاره ليكون الرجل الذي يقول: انت مين؟ الذي لا يستمع لمعارضين، ويضرب بيد من حديد، وينفذ ما يريده شعبه بالتمام.

توفيق عكاشة، ذلك الرجل الذي كان يريد أن يعرف: هل دكتور محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية والحاصل على جائزة نوبل والمرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية وقتها هل يعرف أن يزغط دكر البط أم لا؟

هكذا كان سؤاله، وهكذا التف حوله الناس؛ لتحقق قناته أعلى نسب مشاهدة، وهكذا أحمد موسى غير الإعلامي، المعروف بأكاذيبه وترهاته التي يخرج علينا بها؛ ليصدقه معظم أفراد الشعب المصري، ويستدلوا بما قال في حلقة الأمس.

ومجلس النواب الذي اصطف الشعب لاختياره فردًا فردًا. يوافقون على كل ما يقوله الرئيس، ولا يستطيع المجلس الذي انتخب في الأصل أن يعارض قرارات الحكومة والرئيس، وإلا فانت مين؟ لو عارضت.

في تاريخ المصريين الكبير، فرض علينا العديد من الأمور عبر احتلال أو حاكم ظالم، ولكن حينما اتيحت لنا الفرصة للاختيار اخترنا كل هذه الوجوه التى تطل علينا بغبائها ورضينا بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد