يبقى العالم العربي جالساً على مقعد المتفرج

لا يمكن لأحد أن يقلل من هول ما لاقته البشرية جمعاء، بشرقها وغربها وهذه المرّة بغربها قبل شرقها، من فيروس متطور لا يُرى بالعين المجردة. يتسلل بخفة وسرعة إلى أجسادنا، يسطو على الخلايا ويبدأ بالتكاثر والتناسل داخلنا، وإلحاق الضرر بنا؛ ونحن شبه عاجزين أمامه حتَّى الآن. لا نستطيع أن نغض الطرف عنه، فقد توقفت عجلت الحياة فلا عمل، ولا دراسة، ولا مؤتمرات، ولا حفلات، ولا بطولات رياضية، ولا ترفيه. ولو كان لنا جيران في الكواكب، والمجرات المجاورة، أو زوّار، يقدمون علينا ويرحلون، لعلَّقنا على كوكبنا لافتة «مغلق» إلى حين.

استطاع فيروس «covid-19» من عائلة كورونا التاجية التي تعرّفت عليها البشرية في بداية النصف الثاني من القرن الماضي، أن يُظهر لنا عجز البَشر وارتباكهم في التعامل معه حتَّى الآن، وأظهر لنا الكثير من الرؤساء في العالم المتقدم أو الأول كما يُسمَّى، أظهرهم منهزمين، متشائمين، وعاجزين سوى عن قرع ناقوس العجز والخطر.

وفي لحظة أصبح العالَم لا ينظر نظرة الأمل والإجلال إلا إلى العلم والعلماء، ولا يتوقع الخلاص من هذا الوباء من بطل هوليودي، أو لاعب كرة قدم، أو مغنية راب، أو حتى من زعماء العالم ومقرات الحكم، بل من مراكز البحث العلمي والمختبرات.

فهل نتغير ونولي العلماء المكانة اللازمة؟ وهل نضع العالِم في المرتبة الأولى وفوق مكانة لاعب يقفز ويجري خلف كرة، أو مغنية تتمايل على خشبات المسارح؟ هل سنوقن أن من يقف في الجبهة على الخطوط الأولى ويكون في وجه المواجهة دائما هم العلماء؟ وأننا في زمن ينتصر ويسود فيها الأكثر تسلحًا بالعلم والمعرفة؟

وعلى الجانب الآخر وفي ظل كلِّ هذا، إذا التفتنا إلى أنفسنا بسؤال: أين موقعنا نحن من كلّ ما يجري؟

يبقى العالم العربي جالسًا على مقعد المتفرج في مسرح الدنيا، والأحداث تمر، والممثلون يمرون، والتاريخ يمر ويسجل أسماء الغالب والمغلوب والمتفرج. فبينما تتسابق الدول على الإنفاق ودعم التجارب العلمية في المختبرات، لأجل التوصل إلى لقاح يزوّد أجهزة المناعة في أجسادنا بقابلية الدفاع ضدّ هذا الغازي الصغير، نقف نحن في انتظار من يتوصل إليه أولًا، ويسعفنا به لنعود مرة أخرى إلى حياتنا الطبيعية، وإلى مساجدنا المغلقة التي اعتدنا الدعاء فيها على الغرب الكافر المتربص بنا الدوائر، ننتظرهُ ليُعيدنا إليها لنكمل الدعاء من حيث توقف.

وبينما تنفق حكومات الدول المحترمة على وسائل الوقاية وتعمل بمؤسساتها وإمكاناتها بشكل كامل لحماية شعوبها من هذا الوباء، نجد في أول ما اتخذته بعض الدول العربية من إجراءات، إعلان عن صندوق لجمع المساعدات من الشعب لوقاية الشعب من فيروس كورونا، وكأنَّ من واجبات المواطن حماية الحكومة من الإنفاق عليه والعمل لأجله وليس العكس. ونجد حكومات تعلن عن صناديق كهذه بشكل دائمًا وكأنَّها جاءت إلى الحكم ليُصرف عليها لا لتَصرف ولتُخدم لا لتَخدم.

ونجد في بعض إجراءات الوقاية مَن اكتفى بتعليق لافتات الوصايا على أعمدة الكهرباء والجدران في الطرقات، خلاصتها الحديث عن فضل الصلاة، وأدعية رفع البلاء، والتأكيد على الوضوء والبقاء في البيوت. فهل هكذا تفعل الدول في الأزمات! وهل هكذا تواجه حكوماتنا المآزق بسياسة «الوعظ والتنظير وتدشين الصناديق» فقط؟

التدوينة هذه لا تهدف إلى التقليل من شأن لاعب كرة أو ممثل أو غيره، أو للسخرية من أذواق وميول الناس، إنَّما هي دعوة لإعادة ترتيب أولويات المجتمع للرفع من قيمة العلماء، ودعم البحث العلمي في كافة المجالات بشكل أكبر. ودعوة أيضًا إلى إعطاء كلِّ ذي حق حقه، والتعامل مع كلِّ ذي قدر على قدر قدره.

وفي النهاية، أنا على يقين من أن في غضون الشهر أو الشهرين المقبلين، سنشهد انحسارًا لفيروس كورونا (covid-19)، وعلى يقين من أن البشرية ستتمكن من الانتصار عليه بالعلم كما انتصرت على الأوبئة السابقة، لكن ما لست على يقين منه هو: هل سنتغير؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد