ما تراه المرأة في العادة ليس كما يراه الرجل، وما تصبو إليه المرأة ليس بالطبع ما يصبو إليه الرجل، والأكثر من هذا وذاك المرأة التي تبحث عن «المساواة» هي في الحقيقة لا تعرف ماذا تريد أو أنها بشكل أدق لا تعي ولا تستوعب جيدًا حقيقة مطالبها، ولو كان عكس ذلك لطالبت حقيقة بـ«العدل» بدلاً من المساواة، والأمور من كل هذا وذاك أعمق من كل تلك الشكليات التي تؤثث عالم اليوم.

فمن حيث تلك الشكليات، الاحتفال «بعيد المرأة» الذي يصادف 8 مارس من كل سنة، بشكل أو بآخر هو اعتراف ضمني وإقرار من المرأة نفسها أنها «كائن من نوع خاص» واحتفال الرجل معها باليوم نفسه هو إقرار منه بأنها «نوع مختلف» عن الرجل، وبالتالي فأن تحتفل المرأة بهذا العيد وتطلب المساواة مع الرجل فيه فذلك قمة قمم التناقض، ولو كان الأمر غير ذلك لتم تخصيص يوم للرجل كذلك، الأمر ليس أبدًا احتفال بدورها ولا بمكانتها ولا أي شيء من هذا القبيل، بل إن الأمر على العكس من ذلك.

أما من حيث المضمون فالأمور أكبر بكثير وأعمق من كل هذا وذاك.

فالأبوية أو النزعة «الباطرياركية»، هي من السمات الرئيسية والأصيلة في التاريخ البشري عامة، وليست مرتبطة بثقافة محددة ولا بدين معين. هي في أصلها ترجع إلى بنية اجتماعية متميزة ناتجة عن شروط وظروف تاريخية واجتماعية وثقافية تكونت عبر سلسلة من المراحل والتشكيلات الاجتماعية المترابطة والمتفاعلة فيما بينها، وغير مرتبطة بحقبة زمنية، أو لحظة تاريخية محددة، بقدر ما هي ناتجة عن تراكم تاريخي لقرون أفرز لنا هذا الشكل الحالي من العلاقة بين الرجل والمرأة.

وفي هذا الإطار كانت الباحثة والمفكرة المغربية الراحلة «فاطمة المرنيسي»، من قلائل الباحثين والمهتمين بقضايا المرأة ممن قدموا تشخيصًا دقيقـًا وتشريحًا واقعيًا للعلاقة بين الرجل والمرأة بشكل عام، بل إنها في ذلك ربما تكون قد تفوقت في ذلك على العديد من الكتابات الأخرى بما فيها تلك التي أنتجها العقل الغربي نفسه.

ففي كتابها المشهور «شهرزاد ترحل إلى الغرب»لم تنظر المرنيسي لأمر العلاقة بين الرجل والمرأة من باب الثقافة الاجتماعية والدينية فقط، وإلصاقها بثقافة دون أخرى، كما سعت معظم الكتابات حول ذلك، خاصة من خلال التركيز على وضعية المرأة في الشرق، واعتبارها تعيش وضعية “العبودية”، ويتم تصوير حالها بنظرة سوداوية منفرة ومخيفة عند الآخر.

فالمرنيسي تجاوزت كل هذه النظرة وكل هذه الأحكام المسبقة عن وضعية المرأة في الشرق، لتعطينا تحليلاً واقعيًا وموضوعيًا يلخص طبيعة العلاقة بين النوعين، وهو أن الصراع لم يكن بسبب الثقافة ولا الدين ولا من خلال نزعة «الباطرياركية ضد الماطرياركية»، كما يحلو للعديدين تصوير الأمر، بقدر ما هو نزاع أقرب إلى رجل يسعى إلى «تملك الجسد»، وجعله في المتناول، وامرأة تسعى لـ«تملك الرجل؟ وجعله أسير النزوة.

لذلك فالمرأة في الغرب تجدها دائمًا تعيش أسيرة شهوة الرجل ورغباته بشكل استبدادي وقاهر قد يفوق بشكل كبير استبداد الرجل الشرقي بل إن المرأة الغربية داخل حريم الغرب تعيش هاجس الرجل ورغبته إلى الدرجة التي يمكن أن تُخضع نفسها شكلاً وصحة من أجل إرضاء الرجل عبر تغيير الشكل والمخاطرة الصحية.

وتذهب السيدة المرنيسي للقول بأن حريم الشرق يتحكم به بعض الرجال إلا أن حريم الغرب يقوده الرجال؛ حيث يحدد الرجل مفهوم الجمال والأناقة والنحافة والموضة، وأنه أدخل المرأة الغربية سجنًا نفسيًا هائلاً أكثر كآبة من سجن حريم الشرق.

المرأة في الشرق لم تكن أبدًا في وضعية أسوأ من نظيرتها الغربية، بل إن الواقع التاريخي يبين أن مكانة المرأة في الشرق كانت محترمة ومصونة كثيرًا بالمقارنة مع الغرب، حيث تقوم مثلاً «السيدة المرنيسي» بكل ذكاء بمراقبة ظاهرة وضع المرأة في الشرق والغرب وتحاول سرد ذلك بشكل جيد ورائع بأن مفهوم الحريم بالشرق ارتبط بالتاريخ وفي قصور الخلفاء ومن يحيط بهم من علية القوم وهذا المفهوم مفهوم مكاني وزماني محدد أي محدد في مناطق وبقع محصورة في فترة زمنية محصورة.

أما خارج هذا – الزمكان – فإنها تكون بنت وأخت وزوجة وأم تحظى بالتقدير والاحترام على الرغم من الفقر والفاقة في بعض الجوانب، وبالتالي فمفهوم الحريم في الشرق هو مفهوم مغلق بالزمان والمكان ، عكس ما هو عليه الأمر في الغرب، حيث تكون المرأة مقبولة ومحل اهتمام فقط في مرحلة شبابها ونضارتها وقبولها على مستوى الجنس والشهوة، وبعد أن تتجاوز المرأة هذه المرحلة فإنها تعيش في حجر حريمي غير محدد المعالم والمكان والزمان، فإن المرأة في الغرب تعيش عزلة الزمان والمكان عندما تفقد نضارتها وجمالها الخارجي.

إن حقيقة وطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة هو «صراع» ، بل إنه بدون مبالغة في شكل -صراع على السلطة- خاصة في معناها الثقافي والنفساني، فالرجل ينظر إلى المرأة كمنافس بل إنها ترقى إلى مرتبة العدو الذي يجب محاربته والحد من سلطته كلما اقتضى الأمر ذلك، إن الأمر في حالات كثيرة يتحول إلى حرب خفية.

فالرجل الغربي إذا كان أكثر برجماتية وذكاء من الرجل الشرقي، فهو قد حاول مسايرة الرغبات للنزعة الماطرياركية في مطالبها، لكن بقي هو من يتحكم في كل شيء، وبقيت السلطة الحقيقية بيده، حيث قد يكون مكن المرأة من مطالبها شكليًا فقط، لكن مضمونًا، هو الذي ما يزال يتحكم في كل قواعد اللعبة، سواء بشكل واع أم غير واع.

لذلك نجد بأن – زعامة – الرجل وفرضه لشروط وأنماط محددة من العلاقة بينه وبين المرأة، تجعل هذه الأخيرة دائمًا بمثابة «كائن ناقص الأنسنة» بالمقارنة مع الرجل، وبكينونة محددة ومرتبطة في شكلها الظاهري والباطني وفي العقل الواعي واللاواعي بأدوار محددة لها سلفًا وخطوط حمراء لا يجب تجاوزها، أما في أحسن الأحوال فإنها ترتقى من «كائن ناقص» إلى «كائن تابع» ومتحكم فيه، وهذا يتجلى لنا في كل مظاهر الحياة البشرية وفي معظم المجتمعات تقريبًا بما فيها المجتمعات الغربية، مع اختلافات في الشكل فقط.

معاناة المرأة في الشرق، ليست استثناءً أبدًا، ونظيرتها في الغرب ليست أحسن حالاً كذلك كما يبدو لنا ذلك، لكن الفرق أن أسباب وضعية الأولى وعواملها ليست هي نفسها عند الثانية، فالمرأة في الشرق مثل الرجل، فوضعها مرتبط بشكل أو بآخر بذلك التخبط والتيه الذي يعيشه المجتمع برمته، فهو ناتج عن الضياع الإيديولوجي وذلك – اللاحسم – في أي الطرق التي يجب سلكها، هل الإبقاء عن البنية المتوارثة أو الأخذ بـ”الحداثة” كنموذج ونمط للمرور لعالم ما بعد الحداثة.

فالمرأة الشرقية مثلها مثل السياسي والمفكر الشرقي ذهبت تبحث ما عند الغير من تحولات فكرية واجتماعية من أجل أن تتبنى هذا التحول وتأخذ به؛ فهي بالتالي تعيش داخل دوامة حضارية مفزعة تعج به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد