وأخيرًا انفض “سوق” الانتخابات البرلمانية في مصر، ربح من ربح وخسر من خسر، ليسدل الستار على الاستحقاق الثالث والأخير من خارطة الطريق التي أعلنها عبد الفتاح السيسي، الرئيس المصري الحالي ووزير الدفاع آنذاك، في الثالث من يوليو عام 2013، والذي جاء بعد الاستفتاء على الدستور والاستحقاق الرئاسي عام 2014.

 

شهدت مراكز الاقتراع إقبالا ضعيفا للغاية من قبل الناخبين على مستوى الجمهورية على خلفية مقاطعة القوى والحركات السياسية والشبابية الرئيسية التي شكلت المكونات الأساسية لثورة 25 يناير، على رأسها جماعة “الإخوان المسلمون” و”حزب الدستور” و”حركة السادس من أبريل” و”الاشتراكيون الثوريون” و”حزب مصر القوية”.

 

وبغض النظر عن تفشي ظاهرة الرشاوى الانتخابية على نحو فج من خلال شراء أصوات الناخبين مقابل حصولهم على “مخدرات” وأقراص مخدرة مثل “الترامادول”، و”بونات التسوق” التي يمنحها المرشحون للناخبين لشراء بعض السلع والبضائع من متاجر تجارية معينة مقابل شراء أصواتهم، ناهيك عن “الرشاوى المالية” التي اختلفت من منطقة إلى أخرى وتراوحت في الغالب الأعم من 150 جنيها إلى 500 جنيه.

 

وبغض النظر عن تصاعد وتيرة انغماس علماء ومشايخ كبار في القضايا والشؤون السياسية عبر إصدار فتاوى وآراء سياسية مثيرة للجدل إلى الحد الذي وصف فيه أحدهم مقاطعة الانتخابات بأنها إثم كبير، وأن الرافضين للإدلاء بأصواتهم هم “عاقون لآبائهم وأمهاتهم لأن مصر الآن بمثابة أم لنا جميعا”؛ وبغض النظر عن التفسيرات التي ساقها إلينا زمرة من المحللين والكتاب والإعلاميين المحسوبين أساسًا على النظام الحالي  بشأن عزوف الناخبين عن التصويت حيث ذكر أحدهم أن الشعب المصري يكفيه وجود الرئيس السيسي على رأس السلطتين التنفيذية والتشريعية ومن ثم فإنه لا توجد حاجة ماسة لمجلس نواب ما دام  السيسي يؤدي هذا الدور على أكمل وجه، وذكر آخر أن السبب يرجع إلى تأجيل الزواج نظرًا للظروف المادية، في عدد كبير من دول العالم ومنها مصر، حيث تسبب هذا الأمر في إيجاد حالة من الكبت الجنسي لدى بعض الشباب، مما أدى إلى انصراف الشباب إلى النت لفترات طويلة ليلا والنوم نهارا، ما يعمل على ابتعاد عدد منهم عن الانتخابات.

 

إلا أن السؤال المهم والخطير الذي يطرح نفسه هو: وماذا بعد الانتخابات؟! هل سيتحقق الاستقرار المنشود؟!
لا جدال في أن الانتخابات هي من أهم تجليات العملية الديمقراطية التي من المفترض أن تحقق الأمن والاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلاد وتجلب الرفاهية للشعب، لكن ما يحدث في مصر هو العكس إذ إنه على الرغم من مرور أكثر من عام على إجراء الانتخابات الرئاسية والاستفتاء على الدستور إلا أن مصر لم تشهد الاستقرار المنشود على كافة الأصعدة، وخصوصا الوضع الاقتصادي.

الحقيقة التي يهرب منها الجميع ولا يودون النظر إليها ولو بعين واحدة هي أن مصر في الوقت الحالي منقسمة إلى معسكرين: “معسكر ثورة 25 يناير” و”معسكر 30 يونيو”، وبالرغم من أن قطاعا كبيرا من المعسكر الأول شارك في “30 يونيو” وأيد خارطة الطريق المعلنة في الثالث من يوليو 2013 على أمل إعادة العملية الديمقراطية إلى مسارها الطبيعي وتحقيق أهداف الثورة، وبالرغم من أن الدستور المصري الجديد يعترف بثورة 25 يناير بشكل واضح لا لبس فيه، إلا أن أغلب قيادات “25 يناير” من الحركات الثورية والشبابية تم الزج بهم إلى السجون والمعتقلات، ناهيك عن ظاهرة الاختفاء القسري التي طالت النشطاء السياسيين والشباب المحسوبين على المعسكر ذاته، أضف إلى ذلك الحملات الشعواء التي يقودها الإعلام المصري الرسمي وغير الرسمي ضد ثوار “25 يناير” واتهامهم باتهامات باطلة كالعمالة والخيانة ومعاداة الجيش المصري.

 

أما “معسكر 30 يونيو” فهو يمثل الظهير الشعبي القوي لنظام الرئيس عبد الفتاح السياسي ويتألف في معظمه من “فلول” نظام الرئيس السابق حسني مبارك ومن أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي (المنحل)، وهو من ينعم بالتدليل والمديح والثناء على كافة القنوات الفضائية المصرية، ويتم تصويره على أنه المعسكر الوطني الحقيقي المحب لجيشه وشرطته والحريص على مصلحة الوطن العليا.

وإذا ظلت مصر ممزقة بين المعسكرين أكثر من ذلك فلن يجدي معها إجراء عشرات الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ولن  تنعم بالأمن الحقيقي والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي المأمول، والذين يروجون لفكرة أن الانتخابات ستنقل مصر إلى بر الأمان فهم كمن يغني في الطاحون ويحرث في الماء، وعليهم أن يفيقوا قبل فوات الأوان.. اللهم  قد بلغت اللهم فاشهد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد