بعد أن فجعنا برحيل الدكتور أحمد زويل، توالت المنشورات التي تنعي الرجل، على أني وسط هذا التفجع والرثاء تفاجأت بأحدهم، وقد علق بلهجة ساخرة على منشور قصير يدعو له بالرحمة بقوله: لم نفد منه شيئًا، غير تطوير الصواريخ لإسرائيل ودعم بعض الاتجاهات السياسية الاستبدادية.

رغم معرفتي بأن المتكلم قد بنى رأيه على تصور سياسي معين وبعض المعلومات الخاطئة، فقد تساءلت على نحو جاد: ماذا أفدنا من أحمد زويل حتى ينعيه الناس على هذا النحو المتفجع، من عرفه منهم ومن لم يعرفه؟!

أما من الناحية التقنية والعلمية فأنا -بحكم تخصصي في الدراسات الإسلامية والعربية- آخر من يتحدث في هذا الشأن. ومبلغ علمي فيه أن الدكتور أحمد زويل في إطار أبحاثه الكيميائية كان مهمومًا بتحديث كاميرا تستطيع تصوير التفاعلات الكيميائية بدقة وبطء متناهيين، فانتهى به الأمر إلى اكتشاف وحدة جديدة من وحدات الزمن هي الفمتو ثانية، وأعرف كذلك أن هذا الاكتشاف كان له أثر بالغ في عدد كبير من مجالات البحث العلمي، وقد استحق عن هذا الإنجاز جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999.

هذا هو مبلغ معرفتي عن إنجاز الرجل في المجال العلمي، فلماذا أهتم أنا وغيري بنعيه ومتابعة مراسم جنازته لحظة بلحظة؟

الحق أن لي مع الدكتور أحمد زويل قصة طويلة، فقد صحبته وصحبني ولازم كل منا الآخر ملازمة تامة وخالطه مخالطة غير منفصلة. ولا يتعجل القارئ الكريم، ويتهمني بالكذب لعلمه أنني لم أر الدكتور بأم عيني في حياتي مرة واحدة. ولذا أقول لك وماذا على فتى بائس في قرية نائية، يحلم بنور الشمس، أن يعيش مع «رمز» أحمد زويل في غدّوه ورواحه.

لقد كنت في عام 1998 في المرحلة الثانوية، وفجأة وعلى غير ميعاد ساقت إلينا الشاشات خبرًا يقول إن عالمًا مصريًّا نشأ في المدارس نفسها التي نشأنا فيها، وتجرع فيها من المرارة ما تجرعنا سيتوج بأعلى جائزة علمية في الدنيا بأسرها، وأنه قد أثبت للدنيا بأسرها أن هذا العقل المصري ذا الظروف البائسة قادرٌ على أن يحلق في آفاق العلوم التقنية التي احتكرها «العقل الغربي» لقرون طويلة.
لقد كان لهذا الخبر أثر بالغ في نفوسنا وقلوبنا وعقولنا، لقد منحنا الثقة والأمل وكان لنا شمعة مضية في دياجير الظلام، تقودنا نحو تحقيق الذات، وتقول لنا لا تبتئسوا فقد يأتي يوم وتكلل جهودهم بالنجاح، ولن يضيع كدكم هباءً فقط تمسكوا بالأمل.

هذا أول ما أفدته أنا وجيلي من أحمد زويل.

لقد أشعل فوز زويل بأهم جائزة علمية في العالم الحماس في نفوس جيل كامل من شباب مصر المحبطين، أتذكر أنني وزملائي كنا نتحدث طويلًا عمن سيكون زويل القادم من هذا الجيل، وأنا على يقين أنه سيكون من بينهم من يحملها من أبناء هذا الجيل. لقد رفع فوزه سقف طموحاتنا، وأعاد إلينا الثقة بأنفسنا وبعقولنا التي كسدت من سوء أحوال التعليم في مصر. في هذا الوقت كانت قيمة الشهادات الجامعية تتدنى يومًا بعد يوم في نظر الحاصلين عليها حتى عبر عنها بعض المغنيين الشعبيين في أغنية شهيرة، إلا أننا استشعرنا بريق الأمل. لقد أسهم هذا الفوز في تجديد الأمل في نفوسٍ كانت تتوق للأمل، وعمل على تشكيل شخصية جديدة تنظر إلى العلم في ضوء العالمية، فليس من الضروري أن نتعلم لننال التقدير في مصر، لكن يمكن أن يكون لنا موطئ قدم في مكان آخر في العالم كما فعل زويل. لقد أصبح زويل رمزًا يقوّى العلم في نفوسنا وتقتات عليه أحلامنا، كلٌّ في مجاله.

هذا هو زويل في قلوب أغلب أبناء جيلي وعقولهم، إنه خير ألف مرة من ألف كتاب تتحدث عن قيمة العلم، إنها قيمة العلم عندما تتجسد علميًّا وواقعيًّا.

وأما ماذا أفادت مصر والعالم العربي والإسلامي فقد أفادوا منه إفادة عظيمة. يكفي شرفًا وفخرًا أنه أعاد للعقل المصري، والعربي، والإسلامي احترامه أمام العالم كله. لقد عاشت هذه الأمة ردحًا طويلًا تقتات على ما تركه الأولون ويتفاخرون بما أنتجه ابن النفيس، وابن الهيثم، والزهراني، وغيرهم، كان مؤرخو الأمة يدافعون عن فاعلية العقل العربي باستماتة في مقابل تلك الاتهامات العريضة بالجمود والتخلف والكساد، وفجأة بزغ نجم هذا العالم ليقول: إن المشكلة ليست كساد العقول، بل في كساد الأنظمة التي تحارب الناجحين وتغتال عبقرياتهم.
فإذا كانت حرب 73 قد أعادت لمصر شرفها العسكري، فقد أعاد فوز نوبل بالجائزة شرفها العلمي التقني، ولم يعد المسلمون في حاجة إلى افتعال الأدلة على مقدرتهم العقلية.

أليست هذه يا سادة أفضل إفادة لمصر وللعرب والمسلمين؟

لقد تشكك فلاسفة ومفكرون مثل زكي نجيب محمود ومحمد عابد الجابري في قدرة العقل المسلم على الإبداع أصلًا في عالم جديد لا يمتلكون مقوماته، وقالوا إن فوز محفوظ بنوبل دليل على أننا أدباء شعراء، ولسنا علماء ولا تقنيين، فجاء الفوز مؤكدًا جدوى هذ العقل وفاعليته. وما زويل إلا رمز للعقل المصري العربي المسلم، ألا يكفي هذا الإنجاز الهائل لزويل كي يشفع له عند من يلومونه على مواقف سياسية ينتقدها بعض الناس.

يقولون ذهب زويل إلى إسرائيل ودرس في جامعاتها، وأسهم في تطوير صواريخها القاتلة. فهل كان يجب عليه أن يذهب إلى هناك؟

لقد سمعت منه الجواب عن ذلك الأمر عام 1999 أن الترشيح لجوائز نوبل لا بد أن يكون من دوائر علمية قوية، ومعدل النشر العلمي في جامعات إسرائيل أعلى من معدل النشر العلمي في العالم بكثير، ولذا فهي تحتل عن طريق أبحاثها «وطبعًا عن طريق اللوبي الصهيوني»، مكانة راجحة في كفة الترشيحات فنصحه العارفون بطبيعة الجائزة بالذهاب. وينبغي علينا قبل أن لومه على الذهاب لهذه الجامعات لترشحه أن نلوم الجامعات المصرية، والعربية، والإسلامية التي لا يعتد بترشيحاتها أصلًا في الدوائر العلمية المرشحة لجائزة نوبل.

وأما مسألة تطويره للصواريخ فلا أعلم أحق هي أم افتراء، وهل زويل عالم صواريخ أم عالم كيمياء؟! في الحقيقة لا علم والمسألة متروكة لحقائق التاريخ، وليست للادعاءات أو التخرصات.

بقيت مسألة انخراط الدكتور زويل في دعم بعض الاتجاهات السياسية على حساب بعضها الآخر، وكم كنت أتمنى ويتمنى غيري أن ينأى الدكتور بقامته العلمية وقيمته الرمزية عن هذا الانخراط في أمور السياسة وألاعيبها، لكن يبدو أن الرجل الذي حلم بجامعة مصرية تنقذ العقول اللامعة حاول أن يشق لحلمه طريقًا على أرض الواقع.

بقيت مسألة واحدة، وهي أنه أفاد الغرب بعلمه ولم يفدنا منه بشيء، أقول: وماذا سنفيد من علوم متطورة جدًّا ليس عندنا من أصولها شيء. أيها السادة لم ينتج زويل علمه في بيئة مصرية، بل في جامعات علمية أمريكية متطورة جدًّا لم يكن لينتجها في إطار أي جامعة مصرية، أو عربية، أو إسلامية. ولكن تخيلوا العكس: ماذا لو بقي زويل في مصر ولم يهاجر هجرته العلمية؟! أغلب الظن أنه كان سيحصل على الماجستير والدكتوراه ثم الأستاذية في كلية العلوم، ثم يستجدى مرتبه من الجامعة، ثم ترهقه الأعمال الإدراية حتى تستنفذ طاقته مثل مئات العلماء في كليات العلوم. كانت هذه العقلية النادرة ستدفن منذ خمسين سنة، وتودع الإبداع والإنتاج الحقيقي. وإلا فأخبروني أيها اللائمون كم عدد العلماء الذين تعرفون أسماءهم في كليات العلوم في مصر والعالم العربي والإسلامي؟

أخيرًا فإنني لا أدافع هنا عن شخص الدكتور زويل، بل أدافع ذلك الإلهام الجميل الذي أذاعه الدكتور زويل في جيلي وأجيال متتابعة من الباحثين، وأدافع كذلك عن قيمة العلم أن تغتاله الظنون والتخرصات.

وفي الختام أقول ليس أحمد زويل ملاكًا ولا قديسًا ولا وليًا من أولياء الله الصالحين حتى أبرئه من كل عيب، كما أنه ليس سياسيًّا محنكًا ليتجنب ألاعيب السياسة والسياسيين، وقد يكون في مواقفه السياسية ما يلام عليه. ولكن هل معنى ذلك أن نهيل التراب على هذه القامة الفريدة التي أعطتنا الأمل والحماس، وأعادت إلينا شرفنا العلمي الذي ضاع منذ قرون طويلة.

سلام على هذا الراحل الكبير الذي أعاد إلينا الإيمان بقية العلم، ورسخها في نفوسنا وعقولنا وقلوبنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد