صدم رد المرشح الرئاسي الأمريكي عن الحزب الليبرتاري «غاري جونسون»، عن السؤال الذي وجه إليه من أحد ضيوف قناةMSNBC ‎ الأمريكية، والذي تساءل فيه عما سيفعله تجاه الوضع في حلب إذا انتخب رئيسًا؟ حيث أجاب «ما هي حلب؟»، وتعجب الضيف، وقال «هل تمزح؟» فرد “لا، أنا لا أمزح». كيف لا يصدم السائل، وقد صدم كل الأمريكيين، وكل العالم، واشتعل «تويتر» بهاشتاغ  #WathIsAleppo‏، كيف لمرشح رئاسي أمريكي أن لا يعرف حلب التي تلعب بلاده دورًا فيها، بل كيف لمرشح «الحزب الثالث في أمريكا» من حيث الشعبية أن لا يعرف حلب عبر صورة الطفل «عمران» التي غزت وسائل الإعلام قبل أسابيع قليلة، وإذا كان هذا حال مرشح رئاسي، فماذا يمكن أن يكون حال عامة السياسيين؟

تحمل هذه الواقعة في أحضانها الكثير مما يقال، وقد لا يكون مقالي هذا كافيًا لسرد كل شيء، خصوصًا وأنها جاءت في الوقت الذي يسارع فيه «لافروف» و«كيري» الوقت لإنهاء القتال «قبل العيد» حسب تعبيرهم، وتعكس الواقع الحقيقي للسياسة العالمية، والأمريكية خاصة، تجاه القضية السورية، بالرغم من المحاولات الحثيثة لإخفاء «الحقيقة»، التي هي أول ضحايا الحرب كما قال «اللورد بونسومبي».

منذ بداية الثورة السورية، ونحن نسمع رؤساء الدول، ووزراء خارجياتهم يعبرون عن سيعهم لحل الأزمة في أقرب وقت ممكن، كما سبق أن قال «جون كيري» مرارًا وتكرارًا. مرت خمس سنوات، عقدت مئات اللقاءات، ومئات الجلسات، وجاب الوزراء والرؤساء العالم في سبيل ذلك، لكن لا شيء تحقق، لتبقى أمامنا فرضيتين الأولى أن النظام السوري يمتلك قوة جبارة، يعجز العالم عن صدها، والثانية أن «حل الأزمة» هي مجرد خدعة بعدة مراحل، يتبادل فيها الكبار الأدوار.

يبدو أن العيد في سوريا لا يتكرر سوى مرة في كل خمس سنوات، لهذا تسابقت واشنطن وموسكو لإيقاف القتال بشكل «جدي» هذه السنة، كي يستمتع السوريون بعيدهم، الحقيقة أن الخطاب الذي يصدر عن كيري ولافروف، هو نفسه الذي كنا نسمعه منذ بداية علاقتهما بالأزمة السورية، روسيا تدعم بالقتل، وبلاد العم سام تدعم بالصمت.

«الخطابات السياسية» لا يمكن أن  تحمل الحقيقة كاملة، وما تقوله موسكو وواشنطن، لا يمت للواقع بصلة، الأحداث والوقائع هي المحدد والمقياس، وانطلاقًا منها، فعلى ما يبدو أن تقاسم الكعكة قد دخل مرحلتها الثالثة.

سعى الغرب لاحتواء الثورة السورية، عبر عدة مراحل، أولًا:  تدمير البلد، وتهجير سكانه، وهذا ما ذهب إليه عدد من المحللين أيضًا، وثانيًا جعل «المعارضة» تقبل بحل سياسي يشارك فيه «الأسد» مؤقتًا، وقد تأتى لهم ذلك، لكنه حدث قبل الانتهاء من تهجير السكان، لهذا سعت كل الأطراف «روسيا، إيران، أمريكا» لإطالة أمد الصراع، وتسريع تهجير السكان إلى أن تتم المرحلة الأولى للانتقال بعدها للمرحلة الثانية، وهذا ما يفسر عدم التوصل لأي حل في كل اللقاءات السابقة، ويفسر كذلك عدم توقف الطائرات الروسية والسورية عن القصف حتى أثناء المفاوضات، وهذا ما كان يعبر بوضوح عن عدم نيتهم التوصل لحل، أما الآن بعد أن تم تهجير السكان وتغيير الخريطة الديمغرافية، فقد بدأت المرحلة الثالثة بالاتفاق بين لافروف وكيري، اللذين لطالما اختلفا حول الملف منذ بداية الثورة السورية.

تتجاوز دلالات رد حاكم ولاية نيو ميكسيكو السابق ما ذكرناه، لتصل إلى التعتيم الكبير الذي تمارسه وسائل الإعلام الأمريكية، حيث تركز على القضايا الغربية، وتغض الطرف عن  القتل الذي يطال المئات يوميًا في كل من العراق وسوريا واليمن، ما يجعل فئة من الشعب على الأقل لا تعلم، إلا ما يصلها عبر الإعلام الأمريكي.

سؤال «ما هي حلب؟» يفصح عن الحقيقة المغيبة، ويؤكد الواقع؛ غياب تام للقضايا الإنسانية في الشرق الأوسط، خاصة الوضع السوري، عن اهتمامات الساسة الأمريكيين والغربيين بصفة عامة، وأعطى ملامح عن أهداف اجتماعات كيري ولافروف، والتي هي خدمة المصالح الخاصة لكلا البلدين في المنطقة، فكما كانت تقتضي المصلحة إبقاء النظام السوري ووأد الثورة عبر المراحل الثلاثة السالفة الذكر، فقد تكون المرحلة الرابعة خالية من الأسد، فليس في السياسة صديق دائم أو عدو دائم، بل هناك مصالح دائمة كما قال «تشرتشل».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حلب
عرض التعليقات
تحميل المزيد