كأن شيئًا لم يكن، وكأن ملايين العراقيين لم تُزهق أرواحهم ولم تُرمل نساؤهم وتُيتم أطفالهم، وكان أسف توني بلير -رئيس الوزراء البريطاني الأسبق- سيعيد العراق إلى مجدها وقوتها ونفوذها بعدما اعتادت التفجيرات الانتحارية اليومية، وبعدما سيطر على مناطق منها تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي.

منذ أيام نُشر التقرير البريطاني المسمى بـ«تقرير شيلكوت» نسبة إلى جون تشيلكوت -رئيس لجنة التحقيق البريطانية عن حرب العراق- حيث ينتقد بشدة الاستخبارات والجيش والقيادة السياسية في ظل حكم بلير.

فبحسب التقرير يقول شيكلوت: «كان «من الأسلم» أن يُمنح مفتشو الأسلحة الدوليين في العراق فترة ستة أشهر أخرى لمواصلة عملهم، لم يكن هناك تهديد وشيك من نظام صدام حسين وأن ما قالته الاستخبارات «لم يكن مبررًا».

يضيف: «استنتجنا أن بريطانيا قررت الانضمام إلى اجتياح العراق قبل استنفاد كل البدائل السلمية لنزع أسلحة البلاد، العمل العسكري لم يكن حتميًا آنذاك»

وقال إن بلير ووزير خارجيته حينها جاك ستراو «تحدثا عن وجود تهديدات من أسلحة الدمار الشامل العراقية، دون أن يقدما مبررات لذلك».

عقب هذا التقرير عقد بلير مؤتمرًا صحفيًا يوم الأربعاء 6 يوليو في لندن، وأعرب عن أسفه عن هذا الخطأ وقدم اعتذاراته، وقال: «كان القرار الأكثر صعوبة الذي اتخذته، وقمت بذلك بحسن نية، أنا أتحمل كامل المسؤولية وأعبر عن ألمي وأسفي وأقدم اعتذاراتي».

وقال إنه: «يشعر بالأسف والندم والاعتذار أكثر مما تعرفون» بسبب حزن أسر من قتلوا في الحرب»، هو يقصد بذلك الأسر البريطانية وليست العراقية.

بالتأكيد، وكما يعرف البعض، لم يكن الغزو الأنجلو أمريكي للعراق لأنه يتملك أسلحة دمار شامل تهدد المنطقة وعلى رأسها إسرائيل، كما زعمت هاتان الدولتان المغتصبتان، بل كان من ضمن أسباب الغزو تدمير جيش هذا البلد العربي الأصيل وتفكيك مؤسساتها وإضعافها وتغذية الصراعات القبلية الداخلية وإذكاء الطائفية البغيضة، كي تنعم إسرائيل وترتاح من تهديدات العراق، الذي كان يمتلك جيشًا يعد من أقوى الجيوش في المنطقة.

الغزو الأنجلو أمريكي للعراق ساهم في تخفيف الانتقادات الدولية ضد قوت الاحتلال الإسرائيلية وأعمالها الوحشية التي ترتكب ضد الشعب الفلسطيني الأعزل الذي يدافع عن أرضه ومقدساته ويقاتل من أجل البقاء، وبالتالي لم يعد هناك دعم دولي قوي يهدف إلى حل القضية الفلسطينية.

كان يهدف الغزو أيضًا إلى نهب بترول العراق –الذي يعد من أكبر الاحتياطيات في المنطقة- وثروات البلاد، وتدمير البنية التحتية والاقتصادية وتفكيك النسيج الوطني.

من الأسباب أيضًا، هو التواجد العسكري في المنطقة بهدف حماية إسرائيل بشكل غير معلن وإضعاف وحدة الدول العربية وإثارة القلاقل بين بعض الأنظمة في المنطقة، وهناك أيضًا عوامل أخرى كانت وراء الغزو.

والآن وبعد نشر التقرير الذي يحتوي على معلومات كثيرة حول الغزو، هل اعتذار بلير سيعيد العراقيين الذين قتلوا؟ وهل سيعوض أطفالهم ونساءهم حرمانهم من ذويهم، هل سيتم محاكمة بلير وجورج بوش الابن –رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق– كمجرمي حرب على الجرائم التي ارتكبت ضد العراقيين؟

وإذا تمت محاكمتهما، هل ستعوض كل الخسائر التي تكبدها العراق؟

بجانب محاكمة بلير وبوش، هل ستتم محاكمة كل العراقيين الذين ساعدوهما وتواطؤا معهما، ليس من أجل عراق متقدم ومشرق ينعم بالاستقرار، بل سعيًا في الحكم وفي الانتقام من التهميش؟

بحسب التقرير، فإن الغزو ساهم في ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، هل اعتذار بلير سيقضي على هذا التنظيم وسيعيد الاستقرار إلى المنطقة من جديد؟

ألم يكن الغزو سببًا مباشرًا لترعرع تنظيم الدولة وانتشاره وسيطرته على مناطق في العراق وسوريا وبعض الدول العربية الأخرى، رافعًا شعارات دينية والدين منه بريء؟

هل اعتذار بلير، سيعيد الاستقرار للعراق وسيوقف الأعمال الإرهابية، والعمليات الانتحارية والسيارات المفخخة، والأحزمة الناسفة التي تقتل كل يوم عشرات الأبرياء؟

هل كان لا بد أن تحصد كل هذه الأرواح وتدمر البنية التحتية بهذا الشكل، حتى يخرج هذا التقرير ويقول إن بلير أخطأ، هل هذه الأرواح ليس لها ثمن ولا قيمة؟

هل ينبغي علينا كعرب وكمسلمين أن نثق بكم دومًا -يا من تتشدقون بأنكم بلاد الديمقراطية والحرية والعدالة وحقوق الإنسان- وتاريخكم ملوث ضد العرب والمسلمين، فكم من اتفاقيات ومؤتمرات وحوارات تمت تحت رعايتكم وعلى مرأى ومسمع منكم، لكن كان الهدف منها تحقيق مصالحكم فقط.

سيلعنك التاريخ يا بلير، ورفيق الدرب بوش، وكل من تواطأ معكما وساعدكما وجاء على فوهة دباباتكما، وأفسح الطريق لكما كي تعبثا بمقدسات بلد عربي أُقيمت على أرضه حضارات عظيمة منذ أقدم العصور والأزمان.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد