لا يوجد إنسان قد مر على هذه الأرض إلا وتعرض لظاهرة الحلم بين درجاته المختلفة، لكن الغريب أنه لا أحد يعلم حتى الآن يعلم ما هو الدور الرئيس للأحلام أو حتى الغاية منها، كما أن الأبحاث والنظريات تختلف تباعًا من شخص لآخر ومن معتقد لمعتقد. فالدين عامل أساسي في معرفة نظرة الناس للحلم وتفسيره نظرًا لاختلاف معان الرموز في كل معتقد أو ثقافة.

ومن بعض تفسيرات العلماء لتعريف الأحلام أن الأحلام هي منطقة الراحة لكل مشاكل الحياة، فهي العلاج المجاني للعقل، لأن العقل يعمل بشكل أسرع وقت الحزن أو التعرض للمخاطر، وعليه فإن الحلم يحاول أن يعطي فرصة للشخص للتعامل مع ما حدث أو ما يمكن أن يواجه من مشاكل أو أحداث بطريقة أفضل، وهذه تسمى منطقة الراحة.

ولأنه عمليًا لا يمكن للشخص أن يتعامل مع كل ما يواجهه بصورة كاملة في حالة الاستيقاظ فإنه يحتاج إلى مساحة أكبر لتحقيق ما يشغله بصورة أفضل والأحلام تمد الشخص بكل ما يحتاج من مساحة وقدرة على المواجهة والتفاعل، حتى أنه يمكن أن يصبح بطلًا خارقًا لا مثيل له.

الأحلام كما عرفها الدكتور مصطفى محمود رحمه الله: هي بعث للرغبات المكنونة والملذات المدفونة بأعمق نقاط النفس منذ الطفوله. وهي منفذ قضاء الحاجات التي حُرم منها الإنسان بحكم الدين والعرف والعادات أو بحكم الأخلاق والآداب الاجتماعية. كما أنها مركز تحقيق ما لا يمكن إيداعه حيز التنفيذ أو ملامسة الواقع، هي منطقة التلاقي بين كل ما لا يليق أم نفكر به في وعينا أو يقظتنا وكل ما لا حدود لتحقيقه في الحياة الطبيعية.. فهي تحقيق لكل الرغبات العليا دون قيود.

ولا يمكن أن ننسى المغزى الأول من وجود الأحلام وهو حراسة النوم.. فعلى سبيل المثال: عند شعورك بالعطش الشديد أثناء النوم تشرع في الحلم بأنك تتجرع ماءًا باردًا عذبًا، بدًا من ان تستيقظ وتنهض من سريرك بسبب العطش، وهنا يكون الحلم عبارة عن حيلة لاحتفاظك بالنوم وقضاء الرغبة في نفس الوقت.
وقد عرف فروبد الحلم بأنه ما هو إلا تلك الرغبة الطفولية المدفونة، والتي هي في الغالب جنسية مخجلة مزرية ولا تستند لأي عرف اجتماعي.

وبحكم أن الضمير لا يموت أثناء النوم، بل يستغرق في النعاس فقط، وبحكم أن الضمير هو ما يُسمع الروح بفعل كل ما ترغب ويلعب بالعقل الباطن دون انقطاع.. فإنه يسوغ هذه الرغبات اثناء النوم في صورة كاملة، فيرمز لها في الحلم برموز مختلفه لكي تتجلى الصورة كاملة، ومن هنا نشأت رموز الأحلام.. والتي من بعضها الثعبان أو الشجرة أو العصا التي ترمز إلى الرجل.. والدائرة والزجاجة والكهف كرموز للأنثى.. أما الجنس نفسه فيرمز له بالركوب والطيران والجري أو الرقص وأحيانًا بالتسلق.

ومن الملاحظ أنه كما أن اسم فرويد لا يتغير من لغة لأخرى فإن رأيه في الأحلام لم يختلف عن رأيه في الهستيريا أيضًا. فهو لا يرى الأحلام إلا محاولة رمزية للتعبير والتنفيس عن رغبات النفس الباطنية المكبوتة.. فكبت الإحساس بالذنب مثلًا يتطلب الإحساس بالوسواس والرغبة في الاغتسال كثيرًا، وكلما زادت محاولاته في الاغتسال والتنظيف زاد معها إحساسه بالذنب.

لكن كارل. ج. يونج لا يعتقد أن النوم هو الراحة والنعمة الكبرى الذي تعجز أمامه كل الأفكار، ومن أهم الأسباب التي تجعل للنوم هذا السحر هو أن النوم يغلق الباب على الواقع ويفتح في نفس الوقت الباب الموصل لعالم الغيب المليء بالأسرار والغوامض والذي هو بنفسه سر عظيم.. كما أن كارل. يونج يعتقد أن المتحدث في الحلم هو صوت الغيب وليس صوت العقل الباطن أبدًا.

وإن اختلف العلماء في تعريف الحلم وماهيته فهم جميعًا متفقون على أن الواقع غول عظيم موحش لا يقوى أحدًا على تحمله فنهرب جميعًا إلى النوم الذي ينأى بنا عن كل هذا التعب. لكن الشقي من لا يستطع أن ينام، ولهذا عرف الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه أشد أعداء الله. فمن سلط الله عليه الهم لا يجد الراحة في يقظته أو في منامه.

لذا تظل الأحلام هي الحكمة العليا التي تبثها فينا هذه الأصوات الغيبية. التي لا نستطيع تفسيرها أو حتى تفسير المسبب لها ونقف عاجزين معظم الوقت أمام قراءة رموزها. وأعظم مفسر للأحلام سيخبرك أنك القارئ الوحيد لحلمك وأفضل مفسر له. وكل نفس دليلة روحها! والله أني قد سمعت أحلامًا من أناس لم أكن أعلم ماهيتها إلا بعد أن تحققت رأي العين، لكن ليس بتفسير مني، وإنما بدلالات صاحب الحلم.

والسؤال هنا: إن كان هذا هو الحلم فلماذا نستعرض الكوابيس؟

الكابوس هو حلم أيضًا، لكنه ذلك النوع المقلق من الأحلام، نوع صعب لا يمكن للشخص التعامل معها بصورة سوية فيشكل تهديدًا على حياته.

من أهم اضطرابات الكوابيس أنها تخيف الشخص من الذهاب إلى النوم، وتسبب نومًا غير منتظم، وتعرض الجسد أو العقل لمزيد من الاضطرابات.

ويوضح أرنست هرتمان، أستاذ الطب النفسي بجامعة تافتس ومدير مركز اضطرابات النوم بمستشفى نيوتن ويلسلي ببوسطن، أن سؤالًا كلماذا نحلم؟ هو سؤال سهل جدًا، لكنه من أصعب الأسئلة التي يمكن الإجابة عليها. لأنه لا أحد يعرف حقيقة وظيفة الحلم أو ماهيته بالتحديد، كما أن نوم حركة العين السريعة، وهو ما يحدث في معظم الأحلام لا تفسير له سوى أنه تعبير عن النشاط العقلي الذي يحدث فتصحبه حركة العين السريعة.

فالأحلام ترتبط تدريجيًا بالحياة العامة ومدى تأثر العقل بها لتتراكم في صورة مشاعر وعواطف تعبر عنها الأحلام. وبالتالي فإنه يعتبر أن وظيفة الحلم المحتملة (على الرغم من عدم إثباتها بالتأكيد) هي نسج مواد جديدة في نظام الذاكرة.

أما الرؤى من حيث الجانب الديني فتنقسم إلى ثلاثة أقسام. الرؤية الصالحة: وتتلخص في البشارة وهي من الله. والحلم وهو ذلك النوع المخيف والمفزع من الأحلام وهي من الشيطان، أو أضغاث الأحلام؛ لأنها نتاج العقل الباطن وهي مشهودة في القرآن الكريم كما نعرف جميعًا في سورة يوسف.

ولأن الأحلام تمثل جزءًا من حياة كل شخص فقد تعرض علم تفسير الأحلام إلى الكثير من الانتقادات والاستنكار حتى أن بعضهم اعتبر تفسير الأحلام طبقًا للقرآن جريمة، لكن الإمام محمد متولي الشعراوي كان له رأي آخر وهو أن تفسير الرؤى والأحلام ليس علمًا مكتسبًا يتم دراسته أو تدريسه، وإنما هو موهبة ربانية وهبة إلهية. ولمعرقة المزيد عن الأحلام أنصح بشدة قراءة كتاب الأحلام، للرائع الدكتور مصطفة محمود طيب الله ثراه.

فما هي نظرتك للأحلام؟ وما سببها؟ فيها وهل يمكن التحكم بها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

الاكتئاب لا دين له
شارك 836
صحة
631 منذ 8 شهور