أعلم ونعلم جميعا أننا نعيش في دولة دكتاتورية، غير عادلة إطلاقا، الجميع مدرك أيضا أن لا شيء يتغير ولن يتغير بوجود الفارس الذي يحكم، لن تحدث المعجزة هكذا بشخص واحد، ورغم إدراك جميع طبقات المجتمع لهذه الحقيقة وخصوصا نحن الطبقات المهمشة نوعا ما، إلا أننا نحيا بطريقة قد لا تلائم وضعنا كمواطنين مستلبين تماما، أنا أحيا في أكثر الأماكن بساطة، ريف الدلتا الجميل حيث الأمان والبعد عن صخب العاصمة، لكن رغم ذلك الريف ليس بخير أبدا بجميع شرائحه، الفقر والبطالة ينهشان في جسد هذه القرية الإهمال وانعدام الوعي الصحي كلها أمور نواجهها هنا، وإن كنت ابنة الطبقة المتوسطة التي تخدم الحكومة دوما، وفي نهاية الأمر لا نحصل على ما يكفي لاستكمال الشهر، لا يدهشني ذلك فكما ذكرت أننا مازلنا في دولة دكتاتورية غير عادلة، لكن ما يدهشني حقا أن أهل القرية مازالوا يستشيطون حينما يرون فتاة ترتدي فستانا قصيرا أو ترفع صوتها، ولا يستشيطون بنفس الدرجة لفتى تخطى الثلاثين من عمره ومازال أعزب لا يقوى على تحمل أبسط أعباء الزواج، ربما تحدث فضيحة حقيقية إذا علم أهل القرية بشابين يمشيان سويا في وضح النهار ليخططا كيف سيكون مستقبلهم، لكن لا أحد يحرك ساكنا حينما ينتهي المرتب في نصف الشهر.

لا أدري إن كانت هذه الحالة التي يواجهها مواطنونا هي لازمة وهامة في الدولة الفاسدة؟ ربما لابد من إلهاء الشعوب في البحث عن المثاليات والانغماس في الحديث عن فضائح هذا وذاك.

أشعر بالشفقة على شعبي المولع بالحديث عن العاهرة والسكير الموجودين في كل الأزمنة وجميع الدول ولا ينظر إلى آلامنا وهمومنا، إلى أحلامنا الضائعة وصحتنا التي ربما تؤدي بنا للوفاة بمشفى عام جراء إهمال الأطباء، أشعر بالخوف على والدتي حينما لا يمكنني علاجها إن مرضت، أشعر بالخوف إن لم يستطع شاب يافع جميل من بلدي أن يصنع هو وحبيبته أسرة دون طلب الحاجه من الغريب، لا يهمني كثيرا كيف أن هيفاء وهبي تصنع فيلما هابطا للشهرة، ولا أحب أن أعرف إن كانت زينة قد تزوجت أحمد عز أم لا، فهذا لن ينفعني أو يضرني حقا.

إن شعوبنا لن تعي حقا بحقوقها إلا إذا تقبلت أننا نحيا جميعا في مجتمع وأن هذا المجتمع يحوي جميع الأنماط ويحوي أيضا الأشرار والمرضى والمستهترين ويحوي المختلفين، ولا يمكننا تغيير ذلك، الكاذبون والمدعون والخرقي سيظلون بيننا حتى من يخالفني الدين والعقيدة سيظل إذا لم نؤمن حقا بوجود المختلف والرديء أيضا في نفس المجتمع فلن نرتقي أبدا، علينا تقبل حقيقة أننا في الحياة سنرى ما لا يعجبنا بنفس القدر الذي نبحث فيه عن ما يعجبنا والجميع لابد أن يظل حيا في المجتمع يتمتع بنفس الحقوق وعليه نفس الواجبات تجاه وطنه، ولكن ما لا يمكن أن نسمح به كشعب هو سرقة حقنا في الحياة، هو سرقة حقي في العمل والعلاج والزواج والسير في الشارع بأمان، كفانا تفاهة وحربًا على سيقان هذه الفتاة أو ملابس تلك الراقصة ونحن أوشكنا أن نتضور جوعا، لن تنفعنا كل تلك الطاقة المهدرة في الحديث عن الجارة التي لم تتزوج ابنتها أو الابن الذي يتعاطى نوعًا من المخدر وتحاول عائلته إنقاذه، كفانا دخولًا على يوتيوب للبحث عن سقوط حمالات الفنانة الفلانية حتى أوشكت بعض طبقات المجتمع أن تتعرى رغما عنها لأن المال لا يكفي لشراء ثوب يسترها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد