طرحت زيارة وزير خارجية الإمارات العربية المتحدة عبد الله بن زايد مطلع الشهر الحالي إلى دمشق، ولقاؤه بشار الأسد جملة من الأسئلة وولّدت مخاوف لدى جمهور الثورة والمعارضة عن إمكانية تطبيع العلاقات العربية مع رأس النظام في سوريا وإعادة عضوية سوريا إلى الجامعة العربية التي تم تعليقها في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2011، جاء هذا التعليق إثر رفض النظام للمبادرة العربية للحل في سوريا، واستمراره في ممارسة العنف والإبادة ضد الشعب السوري، الاتصال الهاتفي بين الملك الأردني عبد الله الثاني، وبشار الأسد يزيد هذه المخاوف، ويطرح أسئلة جديدة، كل ذلك يأتي بعد الحديث عن عدم وجود «فيتو» أمريكي على مشروع خط الغاز العربي الذي يمر عبر سوريا إلى لبنان، ومصدره مصر.

تصريحات المملكة العربية السعودية وقطر جاءت رافضة لإعادة العلاقات مع سوريا في الوقت الحالي، هذه التصريحات قد تكون عامل تطمين نسبي للشارع السوري بأن النظام لن يعود للجامعة العربية، على الأقل في المدى المنظور، لعدم وجود اجماع عربي على عودته، رغم الدعوات المتكررة لذلك. تصريحات مسؤولين في الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض الدول الغربية تعطي قوةً لمواقف الدول العربية الرافضة للتطبيع مع النظام قبل المضي في العملية السياسية بموجب القرار الأممي 2254.

على الرغم من كون هذه التصريحات مدعومة بعقوبات اقتصادية على النظام في سوريا، لكنها تبقى خالية من أي فعل حقيقي ومباشر لإحراز أي تقدم جدّي في العملية السياسية، ردود الفعل في الشارع السوري عامةً حول العقوبات لم تعد تحمل هذا الزخم والقبول الكبير لعدم تأثيرها بشكل كبير في دفع العملية السياسية نحو الأمام، أو إحداث تغيير ملموس على الأرض. لم يكن فشل الجولة السادسة من أعمال اللجنة الدستورية في جنيف أول حالة تأكيد على التراخي الدولي في التعاطي مع الملف السوري، ولن يكون الأخير مع استمرار انسداد الأفق على المستوى المحلي، وقلة الاهتمام الأمريكي في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط على العموم.

المبعوث الأمريكي السابق إلى سوريا جويل رايبون كان قد تحدث في الأيام الأخيرة عن أن الموقف الأمريكي من سوريا لم يزل قائمًا، لا حلًا سياسيًا إلا بموجب القرار الأممي 2254، لا مؤشرات على التطبيع في ظل الإدارة الحالية كما سابقاتها، كما أن تغير الإدارات لا يصحبه تغير في الأهداف رغم تغير الأوليات، لا تطبيع ولا دعم للتطبيع مع النظام السوري، تكررت أيضًا الدعوات الموجهة للحلفاء بعدم التعاطي مع النظام في سوريا ومحاولة تعويمه. إن هذه المواقف الدولية والتي قد تكون إيجابية نسبيًا تحوي في طياتها عمق المشكلة السورية على الصعيد الدولي، حيث لا توجد نية أو حماس تجاه إحراز تقدم سياسي حقيقي يفضي إلى تغيير ولو بشكل نسبي حتى في سوريا، عدم وجود نية في تطبيع العلاقات مع النظام أو دعم عمليات التطبيع الحاصلة ليست كافية لطمئنة المعارضة أو الشارع السوري؛ لأن عدم دعم الولايات المتحدة للتطبيع مع النظام لا يعني بالضرورة وجود إجراء ضد الدول الذاهبة نحو التطبيع.

في الحقيقة لا يمكن التعويل كثيرًا على ثبات هذه المواقف الدولية وعدم تغيرها في المستقبل لأن الواقع والتاريخ مليء بالتجارب التي تخبرنا بعدم ثبات هذه المواقف، وأنها قابلة للتحول والتغير، القبول بهذا الأمر يجب أن يكون بديهيًا لدى أي مهتم بالشأن السياسي، هنا تبرز مشكلة أساسية تعاني منها قوى المعارضة السورية حاليًا، حيث ترى في هذه المواقف والعقوبات عقبة أمام تعويم النظام، وبالتالي تغرق في حالة سكون، وموقع رد الفعل، وانتظار الأطراف الأخرى لطرح مبادرات جديدة، أو حصول تغيير جديد في قواعد اللعبة، في الحقيقة قوى الثورة والمعارضة كانت على هذه الحال منذ فترة طويلة، كانت وما زالت مستمرة في التفاعل مع المبادرات الدولية تجاه الحل دون طرح بدائل، وهذا متعلق بعدة أسباب أهمها هو دخول الملف السوري في حالة التدويل، ووجود فاعلين إقليميين ودوليين بشكل مباشر على الأرض؛ مما يضعف من حالة الفاعلية السياسية للأطراف المحلية.

قوى الثورة والمعارضة ليست راضية عن طريقة التعاطي الدولية مع الملف السوري ولديها الكثير من العقبات التي تحول دون تحريك الملف وإعادة طرحه بقوة على الساحة الدولية، على المعارضة توسيع جولات المحادثات والمشاورات بين مختلف التيارات السورية المعارضة وتوحيد الجهود والبحث في الخيارات المطروحة حاليًا، المشاورات الأخيرة بين هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي، والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، مؤشر إيجابي على إمكانية توسيع دائرة التأثير، والاستفادة من تحالفات التيارات السياسية الأخرى، وإعطاء الفاعلية السياسية للمعارضة زخمًا على المستوى الداخلي والخارجي، توسيع دائرة التنسيق والحركة عامل مهم، لكنه غير كاف، من الضروري بعد تقوية البيت الداخلي للمعارضة الاتفاق على إستراتيجية مشتركة للعمل، ولا يشترط في ذلك توحيد كل التيارات الساسية ضمن جسم سياسي واحد، وإنما صياغة مشروع سياسي مشترك تمضي فيه القوى السياسية جميعًا، يبدأ هذا المشروع في مناقشة مدى جدوى الاستمرار في العملية السياسية بشكلها الحالي في ظل التراخي الدولي، البحث عن فرص تحفيز القوى الدولية، أو دفعها مضطرة لاتخاذ الإجراءات الضرورية لاستمرار العملية السياسية، مناقشة اختصام روسيا لدى مجلس الأمن كطرف أساسي في الصراع يساهم في ضغط دبلوماسي مهم، ويمنعها في التصويت على القرارات المتعلقة في سوريا ضمن مجلس الأمن، حشد الدعم الشعبي والدولي للمبادرات مهم جدًا لذا يوجد ضرورة في توسيع المشاورات مع القواعد الشعبية والدول الحليفة والفاعلة في سوريا.

الاستمرار في السياسة الحالية، وعدم التفاعل بشكل مختلف وخلّاق مع حالة التراخي الدولي هو مساهمة في إطالة أمد المعاناة، وإعطاء النظام أريحية في تحركاته الخارجية المتزايدة في الآونة الأخيرة، لذا من الضروري عدم الانتظار لرؤية بشار الأسد يلقي كلمته في القمة العربية القادمة في الجزائر، التي سيتباهى فيها بانتصاراته التي حققها على دماء الشعب السوري وحطام المدن السورية، حينها لن نملك إلا البيانات التي تندد، وتستنكر استقباله والتطبيع معه، يجب إحداث واقع جديد على الأرض يجبر القوى على التفاعل بشكل مختلف مع الملف السوري.

استقبال بشار الأسد في الجامعة العربية – حال حصوله – يجب أن يكون له رد فعل شعبي كبير في الأوساط العربية والعالمية؛ لرمزية الحالة السورية بين الدول التي شهدت ثورات الربيع العربي.

واقع الحالة السورية بما تحمله من مآسٍ على المستوى الإنساني والسياسي والاعتراف به هو بداية للبحث عن حلول واقعية وعملية، وإلا سنكون في حالة من استيراد الوهم القاتل القادم من الغرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد