ذلك السؤال من أكثر الأسئلة المثيرة للشغف لإجابتها.. قد أقوم بالإجابة عنه في أكثر من ثلاثة عقود من الزمان.

أكثر الأشياء قيمة في عمر بعينه أو سن بعينه تختلف جذريًا عن أكثر الأشياء قيمة في عمر أو سن قبله أو بعده! وكلما عرفت شيئًا، أو عن شيء، كانت قيمته في معرفتك به أولًا، وكذلك قيمته في هل أفادتك تلك المعرفة، أو أفادك ذلك الشيء؟

من وجهة نظري يمكن أن أضع بعض النقاط حسب فئات أربع، وهي أكثر الأشياء قيمة التي عرفتها خلال دراستي قبل الجامعة، ثم أكثر الأشياء قيمة خلال دراستي الجامعية، ثم أكثر الأشياء قيمة خلال عقد العشرينات، ثم أكثر الأشياء قيمة بالنسبة لي، وعرفت قيمتها خلال ما مضى من عقد الثلاثينات، الشغف يظهر هنا حيث إن تلك الإجابة ستكون بمثابة سجل حي لي، ومتطور كذلك، ويتم تحديثه كلما مضى عمري، وكلما اكتشفت شيئًا قيمًا أحببت أن أشاركه ليعرفه الآخرون.

الإجابة هنا شخصية بحتة، وقد تبدو بعض الأشياء غير ذات قيمة للآخرين، ولكن كما ذكرت أن الإجابة شخصية بحتة وذاتية، وهي من وجهة نظري الشخصية، لنبدأ.

أكثر الأشياء التي رأيتها قيمة وتعرفتها خلال دراستي قبل الجامعية

  • القراءة: كانت أكثر الأشياء قيمة التي تعرفت عليها وعرفت قيمتها كل يوم هي القراءة، تعلمتها وأحببتها، قراءتي كانت عزاءً كبيرًا لخيبات الأمل والفشل في بعض محطات الحياة، ولليوم أضع جميل أختي الكبرى فوق رأسي دومًا، وأشير لصنيعها هذا كلما أمكنني أو استدعت الفرصة، فلم تكتف بتشجيعي على القراءة، ولكنها شهريًا ولسنوات طوال كانت تخصص يومًا ما لتشتري لي كل ما أريد من كتب؛ فارتبطت كثيرًا بالكتب، وهذا اليوم، وكان أسعد أيام طفولتي، ذلك اليوم الذي أنتظره كل شهر كي أقرأ، ولم تكن تبخل علي أبدًا في أن تجعلني أختار كل ما أريد؛ فتعلمت أن صنيعًا مثل ذلك لن أنساه ما حييت، وقد كان، وعلمني أن أشارك الآخرين ما أعرف، ولا أكتم علمًا مهما كان، فكانت القراءة بمثابة درس أخلاقي متكامل في كيف أقوم بالتعلم وبتعليم الآخرين.
  • لا تتوقف عن التعلم أبدًا: يظن الكثيرون أن التعلم يقف مع نهاية الدراسة، أو السنة الدراسية، أظن ذلك من أكثر الأخطاء الشائعة؛ فبعد فوات الأوان على الكثيرين ندموا على أنهم لم يتعلموا بالشكل اللائق، ولا بالقدر الكافي، فالتعليم ليس بين أبواب المدرسة فقط، أو بين أحضان فصولها، ولكن التعلم ليس شكلًا واحدًا، بل أشكال متعددة، يمكنك أن تتعلم لغة جديدة من خلال أي شيء، يمكنك أن تعظم شغفك وتدرس شيئًا ما في سنك الصغير فتتقنه.
  • ألا أرد الإساءة مهما عظمت: ونحن أطفال نحاول دومًا الزود عن أنفسنا والتبجح قدر الإمكان في سنوات عمرنا الصغير أعتقد أن من أكثر الأشياء قيمة هي محاولتي عدم رد الإساءة مهما بلغ حجمها، فذلك ليس ضعفًا، ولكن ما الداعي؟ ما الداعي إلى الانتصار في أن أنهي أي نقاش لصالحي، سواء بكلام ودي أو بإهانة، بعد عدة دروس مقيتة تعلمت أن رد الإساءة ليس دومًا فوزًا أو انتصارًا، بل من يمتص إهانتك له هو المنتصر ولو صمت.
  • لا تتوقف عن طرح الأسئلة: في صغري أعتقد أنني كنت مشاكسًا لا أتوقف عن طرح الأسئلة، ولا أتوقف عن البحث عن إجابات، وهو ما أعتقد استمر معي حتى الآن، عندما تعرفت على المتشككين في الفلسفة والرواقيين وسقراط وأسئلته التي لا تنتهي عرفت أنني كنت على الدرب الصحيح، فالأسئلة دومًا ما تمهد الطريق لعقلك كي لا يزدحم بالأفكار، وكي يجد طريقًا يسيرًا للسير فيه، فأعظم المعضلات لو حولتها لسؤال لكانت إجابتها يسيرة.

أكثر الأشياء التي رأيتها قيمة وعرفتها خلال دراستي الجامعية

  • مارس رياضة واحدة لوقت طويل: في تلك الفترة عرفت يقينًا أن العقل السليم في الجسد السليم بالفعل، وليس بالشكل النظري، ممارستي للرياضة في تلك الفترة تركت أثارها الطيبة علي وعلى عقلي حتى ولو كانت رياضتك المشي، فصدقني ستتعلم منها الكثير، وستدرك أن رياضتك تلك من أكثر الأشياء قيمة التي ستدركها بمرور الوقت وبمضي العمر.
  • لا تخفي الحقيقة مهما كانت قاسية: في تلك الفترة ستصادف عددًا كبيرًا من المواقف قد يستدعي أن تزيف بعض الحقائق كي تمر بها، وكي تعبرها بسلام، صدقني التزييف والخداع والكذب طريق مسدود ستدور فيها مرة ثانية وتعود لبدايتها دون أن تفوز بأي شيء، أو تحقق أي شيء، تعلم أن تقول الصدق، وتحكي الحقيقة؛ فذلك أنجى وأسلم، ولا تحتاج أن تمر بدروس معقدة وطويلة كي تدرك قيمة ذلك الشيء، يمكن أن تقرأه الآن، وتصدق فيه فالصدق منجى.
  • تعلم شكر الناس: لا تقابل معروف أحد بالصمت، فقد لا يقدمه لك مرة ثانية، ولا تقابل الكلمة الطيبة بكلمة سيئة، ذلك يحزن الناس ويحزنك لو وضعت نفسك في مكان الآخر، أكثر الأشياء التي تعلمتها قيمة في تلك المرحلة كانت تعلم كيف أشكر الناس ولو على مجهود بسيط، أو كلمة طيبة في حقي، أو بعض الجهد الذي بذله البعض دون أن يكون كافيًا لإنجاح الأمر أو مروره بسلام، من لم يشكر الناس لم يشكر الله.
  • لا تجعل غرورك يعلو وجهك: مهما كنت مجتهدًا وناجحًا في دراستك ومهما كنت تحاول أن تتعلم وتقرأ لتتعلم لا تضيع التواضع في طريقك أثناء التعلم ولا تأخذ الغرور في طريقك كصديقك، أكثر الاشياء ضررًا في تلك الفترة هي الغرور والإجابة دون علم، لن تصل لنهاية العلم، أو نهاية أي شيء تفعله؛ ببساطة لأن عمرك محدود، فوقت العلم وإتقان أي شيء لدرجة الكمال يتطلب منك أكثر من حياتين، وأنت لديك حياة واحدة.

أكثر الأشياء التي رأيتها قيمة وتعرفتها خلال عقد العشرينات

  • اسمح لنفسك بأن تجرب كثيرًا من الأشياء لعمر معين: في تلك الفترة من حياتي حاولت أن أجرب كل شيء، كثيرًا ما يجد الناس أنفسهم تائهين، وكثيرًا ما يجد البعض وهمًا طريقًا، ويسيرون فيه لاعتقادهم أن ذلك طريقهم فعلًا، وبعد بعض الوقت سيجدون أنهم تائهون، ولكن بشكل منظم، ليس عيبًا أن تتوه قليلًا، جرب بعض الأشياء قبل أن تحكم، جرب وظائف عديدة دون التزام، حاول أن تتعاقد في فترات تدريبية، ثم قيم نفسك هل تصلح لذلك العمل أم لا، حاول أن تجرب أكثر من شيء، ولكن توقف عند عمر بعينه؛ فأكثر الأشياء قيمة في تلك الفترة أن تعرف متى تتخذ القرار المناسب في الوقت الملائم لك.
  • اختر أصدقاءك بعناية، واختر أعداءك بعناية أكبر: تلك الفترة العمرية مهمة جدًا في من تتحدث معه ومن تقابله بشكل يومي، ومن يقرضك أفكاره، ومن تشاركه أفكارك، لا تختر من يشاركك انتصاراتك فقط، بل ابحث عمن يتقبل خسائرك وهزائمك ومن تشاركه أيامه السيئة قبل أيامه السعيدة، بخصوص نقطة اختر أعداءك بعناية أكبر، فمعناها لا تصنع أعداء أبدًا متى استطعت هناك مقولة لطيفة تقول ليست هناك صداقات دائمة، وليست هناك عداوات دائمة، هناك فقط مصالح دائمة، وفي تلك الفترة صدقني سترى أن العداء أمر يسير، ولكن بعد مرور بعض الوقت ستندم على أنك صنعت عداوات، ولن تستطع أن تحولها لصداقات أو تتجنب تلك العداوات؛ لأن العداء يبقى دائمًا أن حرصت أنت على ذلك، خفف عنك وتجاهل.
  • لا تعمل فقط بل أتقن ما تفعله: كثيرًا ما قد ستضطرك الظروف لعمل لا يناسبك ولا تحبه ولا تجد شغفًا عندك له، كثيرون سيقولون لك اتركه وابحث عن غيره، إن كنت جربت أن تتوه في البداية، ثم قررت أن الوقت الملائم الآن لتعمل ذلك العمل فضلًا لا تتركه بسهولة، بل أنفق الكثير من الوقت والجهد لتتقنه قبل أن تغيره وتتجه لمجال آخر لن تجد الوقت الكافي قبل انتهائك من هذا العقد لتكرار مثل هذا الأمر، وكل عمل ستتقنه سيترك الكثير من الأمور في داخلك ستعرف قيمة نصيحتي في العقد التالي.
  • تعلم أن تخطط وقتك فتخطط حياتك: تراكمات الأشياء التي تعلمتها في الفترات السابقة كانت في نهاية طريقه تعلمني كيف أخطط وطرح الأسئلة طوال الفترات السابقة علمني كيف أرسم خطة بسيطة وأنفذها / أن تخطط لوقتك في ذلك العقد سيمكنك من تخطيط حياتك وتحقيق أهدافك فمن أكثر الأشياء قيمة ستتعلمها في حياتك هي تخطيط وقتك، كثير من الناجحين يشيرون إلى أنهم يخططون أيامهم وأسابيعهم قبل أن تبدأ قد ترى في ذلك ترفًا، وأن الأمر لا يستحق، صدقني أي شخص يستخدم قائمة مهام، وأعمال يومية وأسبوعية في نظري هو أكثر إنتاجية من أي شخص عادي لا يخطط لقائمة مهامه؛ لأنك مهما اعتمدت على ذاكرتك ستخونك؛ لأن الذاكرة مرتبطة بالجسد، ونحن نرهق كثيرًا، وسنعمل كثيرًا في تلك الفترة، فخطط لوقتك ولا تتركه يذهب سدى.
  • تعلم الادخار وتجنب الإسراف: ستتعلم قيمة أن تدخر في المرحلة التالية لتلك المرحلة، إن استثمرت معلومة كل يوم في نفسك سترى آثارها بعد عدة سنوات ثروة من المعلومات والخبرة والحكمة التي تبطن جدران عقلك، ادخر مبلغًا صغيرًا كل شهر – أسبوع، وسترى آثارها بعد سنوات من الادخار والاستثمار، أنت الآن في منتصف العمر تقريبًا وعاداتك الأن هي ما ستحدد قيمتك بعد سنوات، فتعلم الادخار والاستثمار في نفسك.
  • لا تنتقد نفسك ولا تقسو عليها كثيرًا: في ذلك العقد فرصة للفشل وللنجاح وللتجربة والمخاطرة في ذلك العقد تعلمت أن من أكثر الأشياء قيمة علي أن أشاركها مع نفسي أولًا قبل الآخرين هي ألا انتقد نفسي بقسوة، ولا أقسو عليها، وألومها بشكل مبالغ فيه، فتلك فترة علي أن أجرب فيها، فقد أفشل وقد أنجح، ولأنني أكثر قيمة من الفشل أو النجاح، فعلي أن أتخطى الأمر، ولا أقف كثيرًا عند ما الذي كان علي فعله كي لا أفشل أو حتى كيف أنجح بشكل أكبر!

أكثر الأشياء التي رأيتها قيمة وتعرفتها خلال ما مر من عقد الثلاثينات

  • العائلة تأتي أولًا: لا تنظر لتلك الجملة على أنها بديهية، في ذلك العقد وتلك الفترة وعندما تصل لها ستدرك معنى كلمتي أن العائلة تأتي أولًا ستختلف أوقات وظروف عائلتك وتتشابك بعض العلاقات وتتقاطع بعض العلاقات، رأيت أن من أكثر الأشياء قيمة والتي تعلمتها في بداية تلك الفترة هي أن أضع دومًا عائلتي أولًا مهما اختلفت الظروف ومهما تقاطعت الحيوات لنصبح أكثر بعدًا، ولكن عائلتك، ثم عائلتك، ثم عائلتك.
  • اهتم بجسدك وسيهتم هو بك: إن أدخلت السرور في الفترات الماضية على جسدك سيرد لك الجميل، وإن عملت العكس سيرد لك صنيعك مهما كان، اهتمامك بصحتك في تلك الفترة، وذلك العقد، سيكون له أثره الطيب، وستدرك قيمته كل يوم، لا تتردد في أن تفحص أعصابك وجسدك وعقلك بشكل روتيني ستدرك قيمة تلك النصيحة كثيرًا عند زيارتك كل مرة لطبيب، وتجنبك شيئًا ما عافاكم الله قبل أن يتعاظم.
  • تعلم أن تفوض بعض سلطاتك ولا تستأثر بكل شيء: إن حاولت أن تفعل كل شيء بنفسك قد تنجح بعض الوقت، وإن حاولت أن تفعل كل شيء بنفسك طوال الوقت أعتقد أن ذلك مستحيل، عليك أن تتعلم تفويض الآخرين وتعليمهم كيف يفعلون الأشياء ويتقنونها، علمهم كيف ينجحون في ما تسنده إليهم، ولا تحاول أبدًا أن تستأثر بكل شيء.
  • الأعمال البسيطة الدائمة أكثر أثرًا من الأعمال العظيمة التي تأتي على فترات: ركز في أن أعمالك البسيطة الدائمة هي مفتاح ذلك العقد وهي أكثر أثرًا من أعمال عظيمة تأتي وتذهب على فترات، فالعبقرية هنا هو استمرار العمل وإتقانه أكثر من مرة وتطويره، وليس أن تفعل شيئًا مميزًا وتقف عنده، في ذلك العقد الجهد البدني سيقل عن العقد الذي يسبقه، ولكن الجهد البدني سيتضاعف فاحرص على إراحة جسدك وعقلك معًا.
  • لا تتحدث أكثر مما تستمع: قد يلجأ لك البعض في تلك الفترة لتتحدث أنت لهم، ولكن الدرس المستفاد هنا أنك كلما تحدثت أكثر لم يستفيدوا هم أكثر، بل استمع أنت وابحث عن الحكمة في كلامهم وحديثهم وستساعدهم كثيرًا في رسم الطريق لحل مشكلاتهم من خلال حديثهم هم وليس أنت، فتعلم أن تصمت وتستمع.
  • نٌوع في استثماراتك في البشر وفي الأصول: آخر الأشياء القيمة التي تعلمتها في ذلك العقد هو أنني تعلمت أن أكثر الأشياء قيمة هي تنوع استثماراتك في البشر، وفي الأصول التي تمتلكها، فصداقتك لنوع معين واحد من الأصدقاء هو فقر ومخاطرة في أنك لن تتعرف على آخرين، ولن تتعلم منهم، ولن يشاركوك ما يمتلكون من علم ومعرفة وحكمة كذلك استثماراتك يجب أن تكون منوعة في الأصول، فالماديات هنا سيكون لها الكلمة العليا في ذلك العقد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد