تدور عجلة الأحداث في سورية على وتيرة متغيرة حكمًا لوضع وحال المؤثرين على الساحة والممسكين بخيوط اللعبة، ووقع السوريون مرارًا في أتون المخططات المرسومة في عواصم الإقليمين العربي والإسلامي والعواصم العالمية، حتى تشابكت الخيوط بشكل يصعب التنبؤ بما سيحدث يوم غد.

من هذه الخيوط، الخيط التركي؛ الذي يعدّ اللاعب الأكثر مرونة على الساحة السورية، وهذا الأمر مبني على سياسة تركية شاملة ليس فقط في الملف السوري بل في كافة ملفاتها الخارجية، فتركيا تحاول دومًا الحضور بقوة وبمرونة، في انقلاب السيسي والأزمة القطرية تجلى ذلك بوضوح، حيث لم تتخل تركيا عن موقفها الداعم لمرسي والإخوان في مصر أو لإمارة قطر وفي الوقت ذاته لم تخسر علاقاتها مع السعودية.

تفعل الأمر نفسه في الشمال السوري على الشقين الحلبي والإدلبي، فهي في معارك درع الفرات وغصن الزيتون كانت تضع حدًا للمشروع الانفصالي الذي يروج له ويتغنى به «صحوات قسد» إن صحت التسمية -كونهم مشروعًا مماثلًا تمامًا لصحوات العراق 2006- وقد وضعت الحد وأوقفت حلم دولة كوردستان، بشقيه العراقي والسوري، وفي ذات الوقت لم تكن علاقتها بأمريكا تتدهور لهذا السبب، بل في أوج الأزمة الأمريكية التركية يبقى التنسيق بين البلدين في منبج وشرق الفرات قائم.

بنفس الثنائية دخلت تركيا على خط إدلب: القوة والمرونة

تعادي النظام وتدعم الثوار وتمدّ يدها لروسيا، ليس تناقضًا ولا ازدواجية، إنما تحاول تركيا أن تحول بين الأسد وإدلب مستفيدة من حاجة روسيا إلى الحليف التركي وخاصة في ظل تورط روسيا وغرقها في مستنقع تدخلها والذي لن تستطيع أن تتمه إلى النهاية دون تنازلات كبيرة، فوجدت في تركيا منفذًا لخلق توازن روسي تركي على الساحة السورية، وتسعى تركيا للاستفادة أيضًا من حاجة إيران لها لتجاوز عزلتها الدولية.

على الجانب الآخر تظهر تركيا داعمًا أول للثورة وممثلًا ومفاوضًا عنها في المحافل العالمية، وهذا يعطيها ولاءً شعبيًا وعسكريًا من قبل الثورة السورية إلى حدٍّ كبير، وهي ستستفيد من الثوار في معارك أخرى.

أليس غريبًا أن تكون حدود المنطقة العازلة في إدلب وريفي حماة واللاذقية فقط؟! وهل يعني ذلك أنّ المعارك في حلب وأريافها بين النظام والثوار أمر لن يخلّ باتفاق «المنطقة منزوعة السلاح»؟

تركيا لا تثق بقدرة النظام السوري على حماية الشمال السوري من تمدد قسد لذلك ستكون حاضرة في أي معركة في ريف حلب، حتى وإن قامت بالاصطدام مع النظام، فهي لم تضع المناطق التي يُتوقع زحف تركيا إليها مع حلفائها من الجيش السوري الحر أو ما بات يُعرف بالجيش الوطني ضمن حدود المنطقة منزوعة السلاح، ولعل مدينتي «نبّل والزهراء» المواليتان للنظام السوري في شمال حلب ستكونان في قلب الأحداث لاحقًا

في اتجاه عام فإنّ تركيا تضع خيارين في جميع مفاوضاتها: إما أن تحكم سورية سلطة تنهي خطر الأحزاب الكردية الانفصالية، أو تطهر تركيا بنفسها الشمال السوري، وهي ماضية في الخيار الثاني مع انعدام وجود قوة حقيقية على الساحة السورية تقاتل «قسد» وتوقف كيانها الانفصالي.

فالخطة القادمة لتركيا هي متابعة الزحف شمالًا باتجاه باقي ريف حلب الشمالي،ثم ريفي الرقة والحسكة الشماليين.

ولكن السؤال المهم هنا: بعد زوال خطر قسد عن حدود تركيا ما المقابل الذي تطمح له تركيا؟ أو ما ضمانات وجود سلطة حقيقية تحارب قسد أو تزيل أثرها تمامًا؟

هنا نستطيع أن نقول أن تركيا بحاجة لمرونتها أكثر من قوتها، ويجب أن تترافق المرونة بدراسة الواقع بكل جدّية، فتركيا الآن تسير نحو حل سياسي في سورية ثم حكم انتقالي في سورية -بالأسد أو بدونه- ثم تسيطر الحكومة السورية البديلة على كامل الشريط الحدودي بين تركيا وسورية، بالطبع هذه مجازفة تركيا من ناحيتين: الأولى إذابة الثورة وتمييعها فتفقد تركيا حليفًا قويًا لها، والثانية تهميش قسد لا يعني إزالتها فهي تسيطر الآن على حقول النفط وبؤرة الاقتصاد في سورية، وأمريكا وحلفاؤها ماضون في ترسيخ وجودهم في شرق سورية، فالحل هنا باختراق شرق سورية.

كيف ذلك؟!

إن أمريكا لا تزال تكرر مطالبتها للإمارات والسعودية بدعم تشكيل عربي داخل الشمال والشرق السوري، ولا تزالان الدولتان متباطئتان في ذلك، فلا حل إلا بورقة تركية سعودية يتم فيها الاتفاق على دعم تشكيل سوري حر قوامه عشائر وفصائل شمال وشرق سورية، وقد تكون بعض فصائل الغوطة ودرعا المهجرين إلى الشمال واجهة ممتازة لمثل هذا التعاون، هذا التشكيل سيضمن إزالة قسد بالدرجة الأولى، ويضمن دخول الحكم الانتقالي بقوة وصلابة ودون تمييع، ويحفظ المنطقة من شرور الاقتتالات وتخوفات الانقسام.

ليس من مصلحة لا السعودية ولا تركيا أن تدخلا في صراع دعم لفصائل متناحرة، والمصلحة الجامعة لكليهما في توحيد الدعم لمكون واحد قادر على مسك الأرض وحفظ الحقوق وإزالة المخاطر التي قد تهدد مصالح البلدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد