قد يكون مشهد إعدام بعض من الأفراد البائسين الذي قادهم القدر لمثواهم الأخير على مقصلة فرنسية مشهدًا قويًّا ومؤثرًا حقًّا، فقد توفر في المشهد عناصر عدة تشجعه على ذلك، أولها كان الجنون الجماعي الذي أصاب الجماهير الثائرة على كل شيء أمامها، وبالطبع لن ننسى التهم الركيكة واعتمادها في أغلب الوقت على الظن والعواطف الجارفة ولا شيء غيرهم. كانت تلك العناصر مجتمعةً معًا لتشكل صورةً نموذجيةً عن صورة محكمة الجماهير وأحكامها وفعاليتها في تحطيم كل مبدأ وأساس عقلاني ممكن أمامها لمجرد عواطف وتحريضات وأفكار بدائية لم تخضع لمعالجة من عقلهم الجمعي، ولكن عهد الإرهاب قد ولى وانتهى، قد ترى ذلك، لكنه يتكرر الآن ولكن بشكل افتراضي أكثر، فذلك التكرار يحدث تحديدًا في مواقع التواصل الاجتماعي، المواقع التي يمكنك المشاركة في معاركها الافتراضية بكل بساطة عند كتابة بعض التعليقات والردود والمنشورات لتنشئ تفاعلًا معها أشبه بتفاعل جماهير الثورة الفرنسية مع الجناة الزائفين على المقاصل، تعتمد تلك المواقع على امتصاص كل ثانية ولحظة ممكنة من زمانك بوصفك مستخدمًا لها كي تضمن وجودك لأكثر قدر ممكن فيها من أجل تعظيم أرباحها، ولكن ليست تلك بنقطة تستحق التمحيص، ولكن ما يستحق فعلًا؛ هو كيف نتفاعل مع بعضنا بالطريقة التي جعلتنا نرى مشارف عهد إرهاب جديد؟

يبدأ الأمر غالبًا بأن يكون المجتمع الافتراضي ذلك، يتعرض لمشاكل واقعية محسوسة له في واقعه غير الافتراضي، لكن تلك المشكلات والقضايا مجرد وعي نائم في داخلهم، ينتظر فقط شرارة التفجير، الشرارة التي تأتي غالبًا على هيئة منشورٍ عابر ما، يحتوى على شكوى تخص تلك القضايا أو رأي مثير للجدل أو فضيحة لشخصية عامة تتعلق بتلك القضايا، أو أي شرارة تخلق حالة من الصدمة الجماعية لمتلقيها الذين يدفنون بداخلهم قضاياهم بشكلٍ مسبق أساسًا، عندما تشتعل الصدمة، تبدأ الجماهير في الهياج، تهيج الجماهير في اتجاهات عديدة على الأرجح، فحسب التحريض الملازم لها والرموز المصمتة التي يتبعونها، تتحرك زُمر الجماهير في الاتجاهات التي يروها ضرورية لقضيتهم، فيبدؤون في إغراق أنفسهم بالآراء المتعددة التي تصب في التحريض نفسه الملازم لها، أو بالعامية المصرية: «الآراء اللي مكيفة دماغهم»، ذلك الإغراق يتحقق عندما يشاركون تلك الآراء، فيتأثر بها زُمر أخرى متعارضة مع تلك الآراء، فيدخلون في معارك شديدة من رمي الحجج المنطقية البدائية المعتمدة على الثورية والحماس في طرحها على الأغلب، يصحب تلك المصادمات على الأغلب أشخاص من مختلف الزُمر المتفجرة تلك ، قد شكلوا وجهة نظر خاصةٍ بهم، ذلك المنظور، على الأرجح يكون قاصرًا ضيقَ الفهم كثير التحيز والانتقائية المشبعة، وبسبب ذلك التشوه في الرأي، وبما أننا في الأصل انتقائيون في طبيعتنا، فإن المساند للتيار الذي يدعم ذلك الرأي سيبدأ بمشاركته واعتباره تحديثًا سريعًا لأفكاره كي يواجه موجات أخرى قد ولدت بالفعل من الأطراف المعارضة له بالطريقة نفسها، تبدأ الحجج المنطقية السليمة في الضياع، وتتحول المعارك الكلامية تلك مع الوقت إلى حرب خنادق عقيمة لا طائل منها سوى الإهانة والسخرية ولا شيء آخر، ثم تخفت مع الوقت إلى أن يظهر «تريند» آخر ليحل محلها، يتوهم وقتها الأطراف أنهم قد حققوا انتصارًا، وأن شيئًا ما بدأ بالتغير على أرض الواقع، لكنهم في الحقيقة مساجين كبسولات افتراضية تمتص كبت الواقع وتحوله إلى واقع افتراضي نواجه مشاكلنا ومبادئنا بها، عادةً في ظل تلك الظروف، تختفي الأكاديمية في الطرح؛ لأن الجماهير فائقة الميوعة والتغير، ولأنها كذلك، فتذكر دائمًا أن «التريند» الذي بدأته منتصرًا ، قد ينتهي بهزيمة ساحقة لك بسبب بضعة من «الميمز» المبنية على حجج منطقية بدائية أو سخرية أكثر تحريضًا من منظورك للقضية المطروحة في ذلك «التريند»، وبما أن التريند شديد الديناميكية لأنه في الأصل معتمد على تحركات الجماهير السائلة البدائية عقليًّا عديمة الإنتاج الفكري، التي تقوم بإصدار أحكامها على الأشخاص والأفكار طبقًا للمحرضات، فإنك متوهم إذا كنت ترى أنك تغير شيئًا بشكل جذري في الواقع عن طريق التناول الافتراضي له، فإذا كانت قضاياك مكبلة بالتفاعلات والمشاركات، ولا تعتمد على الحركات والأحزاب والقوانين والتحركات الواقعية العملية، فاعلم أنك خاسر مهما توهمت فوزك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد