ما الذي يمكن أن يقوله جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي، الذي يصعب عليه تصديق أن بوتين لم يكن على علم بما جرى في واقعة الاختراق الروسي للعملية الانتخابية الرئاسية؟ ما الذي يمكن أن يقوله بعد تراجع ترامب عن نفيه وإنكاره واقعة الاختراق السيبراني الروسي، في تصريحاته الأخيرة، التي قال فيها إنه أخطا التعبير في قمة هلسنكي، وأن الجملة التي كان يريد أن يقولها يوم ذاك: إنه لا يرى سببًا يجعل روسيا لا تتدخل في الانتخابات، بدلًا عن أنه لا يرى سببًا يجعل روسيا تتدخل في الانتخابات الأمريكية؟ وأن روسيا قد تدخلت بالفعل في العملية الانتخابية التي أتت به حاكمًا على الأمريكيين!

 ومع هذا فإنه على الرغم من التصريحات التي يدلي بها الرئيس الأمريكي، والتي من الممكن أن تتغير إلى العكس تمامًا في مواضع وأماكن أخرى، مع هذا فإن هذه الأقوال ونقائضها ربما توضح إلى جانب المواقف التي يجنح فيها الرئيس الأمريكي إلى مخالفة قواعد القانون الدولي والعلاقات الدولية، بل إنه يجنح فيها إلى محاولة تحطيم المؤسسات الدولية وجرفها من قواعدها، ربما توضح نفسية متقلبة وغير متزنة.

  من هذه المواقف التي ينكر فيها ترامب كل الثوابت الدولية والقواعد والأخلاق، والتي يمكن أن يلاحظها أي باحث عن الحقيقة المجردة:

1_ انسحابه من خطة العمل المشتركة الشاملة (الاتفاق النووي) مع إيران، وفرض عقوبات اقتصادية قاسية جديدة عليها، بعد رفض إيران التعديل في الاتفاق الذي تم بين إيران والولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا والصين، بالإضافة إلى ألمانيا؛ لأنه يرى إيران دولة مارقة لا تتقيد بأي موانع في برنامج الصواريخ الباليستية، والتي من المحتمل أن تهدد بها إيران وعناصر حزب الله، إسرائيل بما يكون مصدر قلق وتهديد لها.

2_ أنه هدد بالانسحاب من حلف الناتو في القمة الأوربية في بروكسل، لأنه يرى أن الدول الأوربية لا تحقق الغاية المرجوة منها، وكان الذي ينبغي أن يحدث أن تنفق هذه الدول من ميزانياتها المالية، مقابل الحماية التي توفرها لهم الولايات المتحدة من 2% إلى 4%، وأن على أوروبا أن تتحمل جزءًا من مسؤولية الدفاع عن بلدانها، وإلا فإنه سوف يبادر إلى اتخاذ الإجراء الذي يراه مناسبًا، وهو ما لاقي رفضًا واستنكارًا من قادة أوروبا باعتباره تهديدًا وتدخلًا في شؤونهم.

3_ وصف الاتحاد الأوروبي بالمؤسسة السيئة وأنها معادية للولايات المتحدة، بل إن محاولته هزهزة الاتحاد تبدو واضحة، بعد أن عرض على فرنسا اتفاقًا تجاريًا يستثنيها من العقوبات التجارية، في محاولة مكشوفة لإقناع ماكرون الانسحاب من الاتحاد الأوربي؛ لتصبح فرنسا – إذا تم ذلك – ثاني دولة تعلن انسحابها من الاتحاد الأوروبي بعد بريطانيا.

4_ أنه يتعامل مع الدول في علاقاته الخارجية بمفهوم الربح وجلب الأموال الطائلة، وأنه لا شيء يمنعه من مقابلة مانحيه المال باحتقار كبير، والمثال على ذلك أنه قال لماكرون متحدثًا عن المملكة السعودية (ما كانوا ليبقوا موجودين لولا الولايات المتحدة ما كانوا ليستمرون أسبوعًا واحدًا، نحن نحميهم وعليهم أن يتقدموا ويدفعوا تكاليف ما يجري).

5_ شعار أمريكا أولًا الذي رفعه ترامب هو عنوان عريض يحتمل كل المعاني لنقض أي التزامات، أو مواثيق أو معاهدات دولية، مثل انسحابه من اتفاق باريس للمناخ وانسحابه من اتفاقية شراكة دول الباسيفيك، ووصفه الأمم المتحدة بالنادي الكبير.

ومع ذلك، فإنني أتصور أن الإجابة على السؤال المطروح في مقدمة المقال، أن الذي يمكن أن يقوله ويفعله بولتون هو أن يطالب بعزل الرئيس، وإذا فعل ذلك فإنه يكون أدى للأمريكيين خدمة نافعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات