• قبل الموقعة

لم أستطع التخلي عن هذه العادة أبدًا، ليلة التصوير هي ليلة عذاب صاف، لا نوم ، اقترب الوعد الحق، في يدي الاسكريبت والنقاط المعدة مسبقًا بعضها من واقع البحث والمقابلات وبعضها من خيال الصور التي تداعت في رأسي طوال الأيام الماضية، الحركة، إيقاع الفيلم، لقطات مسيطرة، حركة كاميرا تدور في رأسي، بعض الموسيقي ترن في أذني، لكنني لست ذاهبًا إلى موقع تصوير فيلم درامي، حيث كل يعرف دوره ويعرف ما يقول، إن المهمة العجيبة المركبة تلك هي مهمتي أنا، في لحظة معينة يجب أن تمسك بكل شيء، سوف تحبس جزءًا من الزمن داخل كاميرات يحملها غيرك، وأصوات يسجلها رجل لا يسمع ما يدور في رأسك من أصوات، وشخصيات حقيقية لا يجب أبدًا أن أملي عليها ما تفعل، إنما أطلب منها أن تترك نفسها لما تقوم به كل يوم، ولكن أمام كاميرا وفريق تصوير كامل، لم تسكت هذه الأصوات يومًا ولا توقفت هذه الصور عن التداعي قبل الموقعة.

«أنت عاوز إيه بالظبط»

هذا السؤال تقريبًا كان مفتاح معاناة كل فريق أعمل معه لفترة معتبرة من الزمن، الحقيقة أنه لم تنته هذه المعاناة الطويلة حتى أجبت على السؤال ببساطة، هذا المشهد وهذه اللقطة لهما هدف واحد وحيد متوحد، ليس هدفين، ليس هدفًا محتملاً، ليس اختبارًا لفكرة قد تعطيك هدفين، هو منطق الحياة البسيط، لكنه يتضاعف في هذه الصناعة المرهقة، إذا لم تكن الفكرة قد وضحت بعد فالصورة لن تفعل ذلك، ستكون مشوشة أكثر، الفكرة هي العنصر الذي يجب أن يظل صلبًا بين عناصر كثيرة مرنة ومتحركة، صحيح أن الوثائقي ليس مادة تستطيع التحكم بها بشكل كامل، إنها شيء يرصد بشرًا وليس آلات، وإذا طلبت من هؤلاء البشر أن يقوموا بحركة معينة بشكل معين خارج عن ما يقومون به فعلاً فقد حولتهم من شخصيات حية حقيقية إلى ممثلين يؤدون أدوار، وبالتالي فالهدف الواضح والفكرة  يُمّٓكنك من التعامل بمرونة مع باقي المتغيرات، هنا تصبح المتغيرات هي تنويعات مبدعة لهدف واحد وفكرة واحدة.

هكذا كنتُ أقضي أيامًا قبل التصوير أكتب الملاحظات وأعد القصة وأتخيل كل شيء، لقد صنعت عالمي الخاص، لكني كنت أحتفظ بهذا العالم لنفسي ثم أعطي توجيهات مفصلة للفريق المضجر الحائر في سبب كل لقطة وزاوية وحركة،  في اليوم الذي أطلقت هذا الخيال وصرحت به بكلمات يستطيع مدير التصوير ومهندس الصوت والفريق فهمها ببساطة، عندها فقط، عندما أخبرت مدير التصوير أنني أري هذا الرجل يخرج من غرفته في لقطة واسعه بعيدة وكأنه شبح غامض بعيد لا نرى ملامحه، عندما أخبرت مهندس الصوت أنني أريد أن أسمع وقع أقدامه على الأرض كأني أضع أذني على الأرض عندها فقط كف الجميع عن السؤال عما أريده تحديدًا!

التصوير ومديره!

ما الذي يمكن أن أتعلمه من مدير تصوير؟! أذكر أنني لم أعرف يومًا ما الذي يجعل هؤلاء الناس سعداء وما الذي يجعلهم غير ذلك، «كله بالحب» هكذا كان يقول لي أشرف وأشرف هو الاسم الحركي لكل مديري الإنتاج في السوق المصري، التعامل مع أشرف أيضًا صعب ليس بالأمر السهل. في طريقي لفك شفرة نظرية أشرف «كله بالحب» استطعت أن أصل لهذه النتيجة، «إذا لم تكن مقتنعًا بأهمية أشرف الحقيقية فسيعرف أشرف أنك غير مقتنع بأهميته الحقيقة» وبالتالي فلن يتعاون معك بالقدر الكافي .. شيء آخر يذهل عنه بعض الأصدقاء المتصلين بهذه الصناعة، خاصة القادمون من قراءات أو دراسة أكاديمية، هذه صنعة، أكثر منها فن، نحن صنايعية مهرة قبل أي شيء آخر، كل ما يكتب عن الأفلام العظيمة، الخواطر الأدبية التي تستدعيها لقطات معينة، الجمل العميقة التي تعج بالجلسات الافتتاحية للأفلام بالمهرجانات، هي أشياء لا تمت لعملية الصناعة الحقيقية للفيلم بصلة، نحن صنايعية وفنيون قبل أن نكون ملهمين وفلاسفة، أو حتى بعد أن نكون ملهمين وفلاسفة، المهم هو أن كل هذا الأفكار المجنونة، الأحلام التي تتربص بين اليقظة والمنام، المشاهد التي تهجم على مخيلتنا فجأة، يجب أن تمر من هذه الصناعة، وأن تخضع لمنطق الصنايعية المهرة، والقصاصين الشعبيين، فعلينا أن نقدر أشرف وكل أشرف يمكن أن يقابلنا .. فهؤلاء الفنيون و«الأسطوات» أكثر خبرة منا وأقدر على أن يمدونا بما نحتاجه في الصوت والصورة وبأقل الإمكانيات إن أرادوا!

في الفيلم الوثائقي، مدير التصوير أو المصور هو رجل لا يهتم فقط بجودة الصورة ولا الإضاءة الجيدة إنه الرجل الذي يجب أن يفهم ماذا يجري هنا، الرجل الذي يجب أن يفهمك كصديق قديم، ما الذي تحب، هل تميل إلى اللقطات الواسعة الطويلة المراقبة ببطء أو اللقطات السريعة المتتابعة أو الكاميرا المحمولة المتنقلة وهكذا ،المصور الذي يتوقع الحركة المفاجئة للشخصيات ويحتوي هذه المفاجأة بالطريقة المناسبة وبالإيقاع المطلوب في الفيلم هو هذا الصديق الذي لا يجب أن تفرط فيه،  طالما كانت علاقتي بمديري التصوير متوترة جدًا، دائمًا كنت أتساءل عن هذه التكشيرة المصاحبة لهم، مدير التصوير الجيد هو شخص موهوب فعلاً، يجب أن تعرف ذلك وتقدره وتسمع له، لا تتخلى عن خيالك أو التكوين المفضل لديك، لكن حوارًا بسيطـًا سوف يوصلك إلى النتيجة، كان وائل مدير تصوير، شاب ذكي، لكنه نرجسي بعض الشيء، قرر وائل أن يفسد كل شيء عندما طلبت منه تغيير الكادر بعدما بنى إضاءته وكل شيء، هل كان يجب أن أعرف هذا الكادر لا يصلح من البداية؟! كيف يمكن أقنع وائل أنني لا أستهدفه بشكل شخصي، أثناء فك الإضاءة  ذكرته بأحد أعماله السابقة، أنني أحب تصويره بالفعل، لقد اخترته بعدما رأيت له عدة أعمال، شعر أنني أعرفه وأقدر أعماله، ولكنني أيضًا أعرف ما أريد أن أحققه، في النهاية أهداني كادرًا جيدًا.

أدركت هذه العادة الثمينة متأخرًا، الحديث دائمًا إلى مدير التصوير على انفراد، مناقشة صغيرة قبل أي عمل، في أثناء العمل أكتشف أن مهارته الحقيقية هي أخذ اللقطات الثابتة على ترايبود وتتبع الضيف في نقاض الفوكس المختلفة، وأن حركة الكاميرا المحمولة لديه ليست بذات الجودة، في الحقيقة ليس جيدة على الإطلاق. حسنًا تم التعديل، اطلب منه أن يركز على اللقطات الواسعة التي تتحرك الشخصية في مجالها بدلاً من المتابعة باليد، حان وقت اللقطة المتحركة ولا طريقة أخرى للتصرف، حسنًا هل الممكن استخدام عدسة واسعة في الحركة؟! يسألني لماذا أقول له لأني أريد أن أرى جغرافية المكان الذي يتحرك فيه، لكن الحقيقة أن العدسة الواسعة (wide) تقلل كثيرًا من الاهتزاز في الحركة. في المرة القادمة يجب أن نستعين بـsteadycam.

لا أحد يحكي قصته مرتين

من صفات المخرج المؤلف أنه يعرف قيمة الإنترفيو أو المقابلة ولا يرضى أن يأخذ مكانه بروديوسر أو معد أو غيره، لا أتكلم هنا عن الفيلم المعلوماتي أو التاريخي الذي يستضيف خبراء وضيوفًا يكون كلامهم متوقع بالعادة، أنا أتحدث عن هذه اللحظة الخاصة جدًا بينك وبين شخصيتك التي سيخرج منا كلامًا ومشاعر ونظرات وأشياء كثيرة ثمينة، هذه اللحظة خاصة وممتعة، يجب أن تكون مستريحًا جدًا لذلك، ويجب أن يكون ضيفك كذلك، أحضر له كوبًا من الماء بجانبه، إذا كنت تبني إضاءة أو ترتب تكوينًا مع مدير التصوير فلا تزعج الشخصية أو الضيف بالجلوس أمام الكاميرا لترتب تكوينًا، استبدل مكانه بأحد الفنيين أو فريق العمل، أحضره إلى التصوير عندما يكون كل شيء جاهزًا.

الضيف لا يحكي القصة مرتين، هذا درس لن تتعلمه بسهولة، الحق أنك لن تتعمله حتى ترى صديقك الذي كان منطلقـًا بالكلام والقصص و(الحواديت) قد انقطع عن الكلام تمامًا أمام الكاميرا، عندما تسأله عن القصة التي رواها لك قبل قليل أو حتى من أسبوع مضى، سوف تجد إجابته غير المعلنة هي:  لقد حكيتها من قبل وحكيتها لك أنت بالتحديد، لماذا أعيدها مرة أخرى، حسنا سوف يعيدها لأننا نصور الآن لكن لن تسمعها أبدًا كما سمعتها أول مرة.

في الطريق لحل مشكلة كهذه لدينا بعض الخيارات، ألا تقترب من القصة الرئيسية في حوارك الأولى وبحثك مع الضيف، أن تجعل المدة طويلة بين الحوار الأول لإعداد البحث واستكشاف القصة وبين المقابلة أمام الكاميرا أو تجعل معدًا أو شخصًا آخر هو الذي يلتقط المعلومات منه أثناء فترة البحث. بعض المخرجين المخضرمين يسجل بالفعل أول حوار بينه وبين الشخصية بواسطة ميكروفونات سينما صغيرة توضع على المنضدة أو في قميص المخرج بدون استخدام كاميرا.

إذا تعطلت كل هذه الخيارات وكان قد حكى لك القصة بالفعل، فلدينا حيلة أخرى وهي المدخل المختلف للقصة نفسها، نحن نتحدث عن ابنته الصغيرة التي اختفت منذ عامين ولا يعرف مكانها، أنت تريده أن يقول هذا بصدق ودهشة ووضوح، لكنه حكى القصة مرارًا وإعادتها ستكون ثقيلة عليه وعليك، ماذا عن البدء من المنتصف، من حادثة صغيرة هامشية تجعلنا ندخل القصة من مدخل مختلف، ماذا عما كان يفكر فيه عندما تلقى خبر اختفاء ابنته، دعنا من هذا كله ما أول صورة يتذكرها عن مولد ابنته، هكذا استدع لديه ما لم يكن يفكر فيه من قبل، ما لم يكن معدًا في ذهنه ليقوله بطريقة رسمية أمام الكاميرا، في الرحلة إلى ذاكرته وقلبه تلك دعه يأخذ قسطـًا من الراحة، ربما تطلب منه أن يشرب بعض الماء، لكن لا توقف التسجيل، قد تحصل على لحظة خاصة أثناء هذه الاستراحة، الحقيقة أنك ستحصل دائمًا على لحظات لخاصة في فترات كهذه، الحيل هنا لا تنتهي، هذه الفتاة الرقيقة التي تحكي عن أحد أسرارها بدأت في النظر إلى كل هؤلاء الواقفين خلف الكاميرا وترتبك مجددًا، حسنا اُطلب من الجميع أن يغادر الغرفة بعد تثبيت كل شيء، سماعة الصوت في أذنك ومدير التصوير سوف يزورك كل فترة للتأكد من دوران الكاميرات وضبط الفوكس.

لكي ينسى صديقنا الجالس أنه أمام كاميرا، أو أكثر من كاميرا، لديك دقائق لطيفة في البداية تستغلها في  حديث عابر عن شيء مختلف تمامًا، شيء في ديكور البيت أعجبك تسأله عنه، سؤال فضولي عن شيء يمكن أن يربطك به كصديق حقيقي، اسأل بروح المتلهف للإجابة المنفعل برد الفعل، المستقبل لكل معلومة بالدهشة الكافية، هز رأسك موافقـًا افتح عينيك مندهشًا، ابك واضحك وتألم، في يدك ورقة ونقاط تريد أن تغطيها، ماذا لو بدأنا من النقطة رقم ٣ إنها أقرب إليه الآن، لدينا مونتاج نستطيع ترتيب الأشياء فيما بعد، لكن حسب معلوماتي ليس لدينا آلة تنتج الصدق والدهشة بعد!

صراع الجبابرة بين الصورة والحكاية

الصورة مفخرة المخرجين، لكن الحكاية لحمهم ودمهم، الصراع بين الاثنين منشأه توقعك أن تعطيك هذه القصة صورة ما، غالبًا ما تكون الصورة التي قفزت في رأسك عندما سمعت الفكرة أو القصة لأول مرة، هذه الصورة تصبح قيدًا غريبًا وتجعلك تلتف عن خطوط القصة الصلبة لتصل لهذه الصورة، هذه ليست نصيحة ألقيها لأصدقاء الرحلة، هذه شكوى من مرض مزمن أعاني منه شخصيًا، عندما يكون فيلمك من ذلك النوع الذي يعايش شخصيات حقيقية ويحكي «قصة» وليس «موضوعًا» فإن الدرامي هنا يسمم الوثائقي، أنت تريد هذه الشخصية أن تعطيك صورة درامية في رأسك أنت، لكن الشخصية الحية هذه تتصرف بطبيعتها هي، وبالتالي ستعطيك شيئًا مختلفـًا، حتى وإن كان من ناحية القصة شيئًا ملهمًا ومهمًا، كنت أشعر دائمًا أنه ليس ملهمًا ولا مهمًا، لأني أريد صورة ما حركة ما تعبيرًا وجهًا معينًا، الإحباط هي كلمة قليلة بالنسبة لموقف كهذا، أنا عالق تمامًا في صورتي أنا وليس صورته هو، الحق أنه كان يجب علي أن أصور فيلمًا عني أنا أو عن علاقتي أنا بهذا الرجل، لكن حكاية هذا الرجل شيء مختلف، عندما يغضب لن يملأ شريط الصوت ضجيجًا، عندما يتذكر لن يبكي كطفل، حتي حديثه بارد مقتضب، هكذا عندما نفكر في الصورة كصورة وليست كدليل على المعلومة أو عنصر يحكي جزءًا من الحكاية نرتبك تمامًا!

اختراع المشاهد

الضوء في نهاية النفق هو قطار قادم! الفرق الجوهري بين الفيلم الوثائقي في نسخته القصصية الإنسانية، وبين الفيلم الدرامي الممثل والمعد مسبقًا، هو أننا لن ننفذ هذه اللقطات التي أشعلت خيالنا منذ اللحظة الأولى، السيناريو المعد مسبقًا لن يتحقق تقريبًا كما كنا نتخيل، في يدي دائمًا ورقة ما، اسكريبت تصوير، شخبطة في دفتر صغير، دائمًا يكون معي ورقة تقول شيئًا عن  صورة واضحة عما أريده من تصوير اليوم، الخبر السار يأتي، لقد تغير كل شيء تقريبًا، فيما عدا اللقطات الخاصة بالأشياء، بهذه الصورة المعلقة على الحائط، أو الجدران الصفراء المليئة بالشقوق الكبيرة، فإن أبطال فيلمي بدأوا يتصرفون بشكل مختلف، ببساطة لأنهم أشخاص حقيقيون وليسوا ممثلين أو محترفين، الرجل بدأ يتضجر من التصوير والحركات التي أطلبها منه، حسنًا لن نقوم بأي توجيه، صديقي بطل الفيلم وصاحب القصة، ما الذي تقوم به عادة في وقت كهذا؟ تعد قهوتك مثلاً؟! إلى المطبخ إذن، لا نحتاج إلى إضاءة كبيرة أريد كاميرا فقط، مرة أخرى يبدو مدير التصوير هو المفتاح الرئيسي لتغيير الخطة والقفز بمرونة شديدة بين عقبات متجددة، التوجيه الوحيد أن يحمل كاميرته ويتابع في هدوء، الكادر الواسع أيضًا يساعدنا جدًا، الكادر الذي يحوي المطبخ كله من نقطة مرتفعة جدًا أو منخفضة، المهم أنه يحوي مجال الحركة لوقت كاف تستطيع بعهدها أن تنتقل إلى تفاصيل العمل المكرر نفسه وتأخذها في لقطات قريبة وزوايا معينة، أثناء حركة الشخصية داخل المطبخ يبني المشهد نفسه.

هكذا أجد نفسي دائمًا مضطرًا لاستبدال مشهد – لقطة – مجموعة مشاهد كنت قد أعددتها مسبقًا، الواقع يفرض نفسه كمُعلم عنيد، وأنا وأنت كتلاميذ لهذ الحياة العنيدة اللعوب سوف نستجيب لهذا الواقع ونلاعبه، ونرتجل لكن حسب الخطة، الخطة الوحيدة هنا هي: ما الهدف «الوحيد» من هذا المشهد أو هذه اللقطة، حسنًا كان هدفي هنا أن أبين أن حياة الرجل بعد اختفاء ابنته لم تعد كما قبل، المشهد ببساطة هو جلوسه على كرسي في أقصى طرف غرفة ابنته المهجورة، سريرها فارغ، كتبها مغلقة يعلوها التراب، إنه طريقة مباشرة لإنشاء شعور الوحدة والفقد، لكن الرجل يرفض المشهد ويرفض حتى أن يفتح باب الغرفة، لقد أعطاني الرجل أقوى مما كنت أتوقع! هذا هو المشهد، أفتح الكاميرا في كادر واسع ومن خلف الكاميرا أطلب منه أن يفتح باب الغرفة فيرفض، ثم أصمت وينظر لي الرجل، أسأله لماذا فلا يرد، أو يرد بكلمات غير مفهومة، لقد تكون مشهد لم أكن حتى أحلم به لكن كل حل جديد ينشأ عنه مشاكل جديدة، هذا المشهد يحتاج أن يكون تسلسلاً بذاته، بداية ووسط نهاية، قد لا تستخدم البداية في المونتاج لكن فكرة الانتقال إلى مشهد جديد تحتاج أن تضعنا على بداية، لقطة عامة للمكان، لقطة قريبة جدًا لإكسسوار ما، تسلسل زمني لعمل ما تقوم الشخصية، في المونتاج قد تشعر أنك بحاجة للقفز مباشرة للحدث دون مقدمات أو ألا تنهي المشهد بهذه النهاية التي صورتها أو قد تحتاجها بحيث لا يكتمل شيء بدونها، المهم أن تكون لديك هذا الخيار بالأساس.

في فن استثمار الملل

كان مشهدًا عن البيروقراطية المصرية، في أحد المصالح الحكومية، كل المطلوب هو أن يتم تصوير هؤلاء الموظفين وهم يقومون بعملهم العادي، لا شيء غير أن يقوموا بما يقومون به منذ عشرات السنين، لكن الكاميرا تربكهم، ويبدو الأمر أنهم ممثلون مستأجرون، هذا جنون، هذه الآلة تنفذ في نفوس البشر وتهزهم بشكل غريب، الحل البسيط – كعادة معظم الحلول في هذه الصنعة اللعوب – هو أن تبقي الكاميرات مكانها وأن يستمر التصوير إلي أن يعتاد الموظفون الكاميرا ثم يألفوها ثم يملوا منها وينصرفوا عنها تمامًا، هنا تمامًا تدور العجلة وتصبح الكاميرا والمصور جزءًا من واقع المكان وروتينه الممل، وهكذا كان الحل الوحيد لمراقبة مجموعة من الناس يمارسون حياته اليومية هو الممل!

أفكار على قارعة الطريق

الوجوه العابرة، الكادرات التجريبية، اللقطات التي تداهمنا فجأة دون سابق ترتيب، ليس علينا أن نقهرها دائمًا، في مقابل المشاهد واللقطات المعدة مسبقًا، يمكن أن نفسح لها الطريق أيضًا بشرط أن نضعها في الكوب، والكوب هو البناء والقصة والتسلسل الذي نريده من هذا المشهد أو الفصل في الفيلم، اشتد هذا الصراع بي فترة، أحيانًا أشعر أنني أريد أن أغير القصة كلها من أجل لقطة أعجبتني، إنها الغواية التي لا تعدلها غواية، لكن كما يقول الحكيم «مُتلفت لا يصل» إن كانت هذه اللقطة هي ذلك الهوى البعيد عن القصة والحبكة والسياق فهي نبت شيطاني وبنت حرام! ولسوف تذيقك كأس التيه في غرفة المونتاج المظلمة وفي ساعات «الرندر» التي لا ترحم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مخرج وثائقي
عرض التعليقات
تحميل المزيد