بعد النهضة الواسعة التي حققتها الحضارة الغربية إثر تحررها من سطوة السلطة الكنسية وما كانت تمارسه من حجر وتضييق على العقل خاصة والعلوم والمعارف بوجه عام، بدأت تتشكل شيئًا فشيئًا معالم نظام معرفي غربي برز إلى الوجود قبيل ما سمي بالثورة على اللاهوت واستمر وهجه إلى عصر النهضة وما بعدها.

لقد كان لانفصام وانفصال العلوم والمعارف عن الدين والميتافيزيقا في الفكر الغربي سببًا واضحًا، تجلى في حجم التحريف والخرافة التي دخلت على الكتب الدينية سواء ما سمي بالعهد القديم أو الجديد، وكذا ما كانت تمارسه السلطة الكنسية من مصادرة للرؤى العلمية والمعرفية، مصادرة للرأي العلمي وللنظر العقلي كانت تصل في أحيانا كثيرة حد التصفية والإعدام كما حصل مع كليلي بعد أن نظّر علميًّا وعقليًّا لكروية الأرض.

بعد الثورة التي شهدها الغرب على الكنيسة ومعتقداتها وعلى الدين بصفة عامة، وبعد انسحاب المقولة الدينية من المشهد الغربي العام سانحة المجال أمام النظر العقلي التجريبي وأمام الرؤية العلمية للأشياء، وأصبح المصدر الأول للعلوم هو العقل وأدواته الحسية.

والحق أن الغرب لم يمسك بزمام التقدم والرقي الحضاري إلا بعد أن أحدث قطيعة مع الكنيسة ومع الموروث الديني، وذلك يرجع إلى خصائص هذا الموروث بحد ذاته، وما ينطوي عليه من أمور تضاد وتنافي الحقائق الوجودية التي جعلها الحق عز وجل مصدقة للحقائق التي أنزلها في الكتب الدينية اليهودية والمسيحية قبل أن تطالها أيادي التحريف والتزوير البشري.

ويبقى السؤال مطروحًا في الناحية المقابلة عن: ماذا يمكن أن تقدم الحضارة في واقعنا الحاضر للمعرفة الغربية على الرغم من تمركز كل عوامل القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والمعرفية في الفكر الغربي؟، وعلى الرغم من ضمور وانحصار العطاء المعرفي الإسلامي وخفوت وهجه؟

قبل الإجابة عن هذا لا بد لنا ابتداء من الوقوف عند خصائص الفكر الغربي وركائزه التي يقوم عليها وتجمل في ثلاث ركائز:

– الركيزة السياسية والتي تتأسس على النظام الديمقراطي.

– الركيزة الاقتصادية التي تتأسس على النظام الرأسمالي.

– الركيزة المعرفية التي تقوم على أساس المبدأ العقلاني.

والناظر في ماهية الفكر الغربي يجده انطلاقًا من هذه الركائز مغرقًا في المادية والنفعية منقطعًا انقطاعًا ابستمولجيا عن الغيب وعن اللاهوت ، فمنتهى المعرفة وغايتها في التصور الغربي هو تحصيل المنفعة الدنيوية في العاجل ولا خبر عن الغيب وما فيه، وذلك راجع بالأساس إلى التوجس من كل فكرة دينية جراء ما لحق الغرب من تقهقر على كل المستويات حين كان يرزح تحت السلطة الكنسية.

أيضا مما ميز العلوم في الغرب فيما بعد عصر النهضة إلى اليوم، كونها اعتمدت من حيث مصدرها على ثلاثة أسس، وهي العقل والحس والتجربة بحيث كان المنهج التجريبي ولا يزال مهيمنًا، وأصبح كل شيء خاضعًا للحس والتجربة، وبالتالي أصبح العلم أداة قوة من أجل بسط السيطرة على الشعوب وإخضاعها للمركزية الغربية، وبالحديث عن المركزية فالأنا في الفكر الغربي قد انسحب على العلوم والمعارف الغربية للدرجة التي استحال معها القبول بالتأثير والتأثر أو قبول معارف خارج النسق الغربي.

عودًا على البدء في الإجابة عن سؤال: ماذا يمكن أن تقدم النظرية المعرفية القرآنية للفكر الغربي؟ فمن منطلق محدد التصديق والهيمنة التي تعد من خصائص الوحي والخاتمية التي تستلزم الكمال والشمول والاستيعاب والتجاوز، فإن النظرية المعرفية القرآنية قادرة برغم واقع الأمة المفجع أن تقدم للفكر الغربي علومًا ومعارف، ومن أهم ما يمكن للنظرية القرآنية تقديمه لتصحيح المسار المعرفي الغربي نذكر:

مصدرية الوحي: فإذا كان الغرب حصر المعرفة في الحس والتجربة، فإن الإسلام يعلي من مكانة الوحي باعتباره مصدرًا للمعارف وموجهًا لحركة العقل والنظر، أن تجنح إلى النظر العقلاني الصرف وبالتالي يحصل ذلك التكامل والتماسك بين مصادر المعرفة.

القصدية: وهي ميزة تتسم بها العلوم والمعارف في التصور الإسلامي، فإذا كانت النظرة الغربية تقول بأن غاية المعرفة هي المعرفة في حد ذاتها، فالنظرية المعرفية الإسلامية تتميز بالقصدية دفعًا للمفاسد في الدنيا والآخرة وجلبًا للمصالح فيهما معًا.

الشمولية والاستيعاب: من ضمن الخصائص والمحددات التي تميز النظرية المعرفية الإسلامية كونها منفتحة على جميع المعارف والعلوم الإنسانية إمدادًا واستمدادًا في مقابل النظرة الغربية التحيزية للعلوم، والتي تعتبر أن منتهى العلوم والمعارف هو الغرب ، والأصل أن العلوم كونية لا يمكن صبغها بصبغة محلية.

الأخلاقية: سؤال الأخلاق وتخليق العلوم والمعارف ظل يطرح نفسه بشكل في دراسة نظرية المعرفة الغربية، إذ تبين أن غياب السؤال الأخلاقي أو القصد الأخلاقي في المتن الغربي أفرز مجموعة من عوامل الدمار على كل المستويات نتيجة للجشع الغربي في تسريع عجلة العلوم، فكان من أكبر المتضررين من غياب الوازع الأخلاقي في الحركية المعرفية الغربية هو الإنسان والطبيعة نتيجة لعوامل التخريب.

إجمالًا يمكن القول أنه رغم ما يعانيه المسلمون اليوم من تقهقر على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وانسحب ليطال الفكر والمعرفة، وعلى الرغم من قوة وهيمنة الحضارة الغربية وتسيدها للركب الحضاري، فإن النظرية المعرفية الإسلامية المستمدة أصالتها من الوحي قادرة إن تجاوزت منطق الصورية والتجريد، أن تسهم في تقصيد وتصويب المعرفة الغربية وتشذيب ما شابها من انحرافات، وبالتالي تبصم على ميزة التصديق والهيمنة التي خص بها الله عز وجل رسالة الإسلام الخاتمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد