اعتادت شعوبنا العربية على خطابات حكام من نوعية «الواد محروس بتاع الوزير»، يتحدث الحاكم فيها بأسلوب الحكايات التي تروى على المقاهي، وفي أحسن الأحوال تجده يلقي خطابه كما كان يقص الراوي حكايات الزناتي خليفة على الربابة. مع استمرار الإحباطات والهزائم، أصبح المواطن في تعطش لزعيم يتحدث بلغة حاسمة قاطعة فيها جمل رنانة تصلح أن تكون شعارات، لا يهم إن كانت قابلة للتنفيذ، ولكنها تسعد المتلقي؛ وجد الإسلاميون ضالتهم في الشيخ حازم فرج الله كربه، ووجد المنقلبون حاجتهم في السيسي، والفارق بينهما كما بين الثرى والثريا.

لم تعتد الشعوب العربية على ذلك الهادئ الذي يعمل أكثر مما يتحدث، وعندما يتكلم يزن حروفه ولا ينطق إلا بحسبان. يجده المواطن عاديًا جدًا، فهو لم يعتد ذاك النمط؛ فيحكم عليه بالفشل والضعف والوهن وقلة الحيلة والغباء. فـ«الأكشن» والإثارة و«الإفيهات» التي انتظرها لم تأتِ. تمامًا كما يحدث للمتفرج حين يشاهد أفلام المهرجانات، أو الأفلام ذات المضمون الفكري التجريدي، تجده يسقطها فورًا ولا يجد منتجوها لديه رواجًا. أما إن كان فيلمًا به من كل ألبوم أغنية، فبه المشهد الرومانسي ومشهد حركة، وآخر تراجيدي، محلى بجزء كوميدي، ولا مانع أن يتخلله استعراض وأغنية ورقصة؛ فإن حصيلة شباك التذاكر وقتها ترتفع لتحقق أرقامًا قياسية. وتعتبر خطابات السيسي وترامب أوضح مثال على ذلك، فهي تلبي مطالب رجل الشارع، ومن في قلبه طمع.

لم تتعلم شعوبنا لقرون وبشكل مقصود كيف تسمع، ومتى تتحدث، وأسلوب ضبط النفس، وآلية الرد. شاركت في ذلك أجهزة الإعلام المدعومة من سياسات الدول، بأن أظهرت العاقل الذي يزن كلامه بالمعقد المقعر، وفي الآن نفسه أظهرت النموذج التافه بالمتواضع القريب إلى الناس، ورفعت كل سفيه وجعلت منه نجمًا، وحطت من قدر كل عالم وأطفأت بريقه، فعزفت الجماهير عن سماع الجد وهربت إلى الهزل. ومن يومها ونحن من سيئ إلى أسوأ.

عندما تولى الرئيس محمد مرسي حكم مصر في فترة غير عادية من عمرها، وهو رجل ذو مكانة علمية رفيعة، فقد عمل أستاذًا ورئيس قسم بكلية الهندسة؛ انتظر منه الناس خطابات نارية تكشف عما فات، وترسم طريقًا لما هو آت؛ تلهف الشعب لتصريحات تشفي غليله في وقت لا ينفع فيه إلا المواراة. فمثلًا، هاجوا عندما مدح الجيش، وكأن رئيسًا دخل لتوه وحده وكر ذئاب حكموها وما زالوا يسيطرون على مفاصلها، عليه أن يخرج في خطاب رنان ليقول للعالم كله أنه على خلاف مع جيش بلاده، وأنه يحتقر كل من فيه! أذكر أنه فقط حين أشار بحنق في إحدى خطبه إلى الفترة الناصرية، هاج عليه الرأي العام واتهمه أنه ليس رئيسًا لكل المصريين، مع أن ثورة يناير (كانون الثاني) قامت للتخلص من حكم العسكر الذي كان عبد الناصر أيقونته. تحدث في مرة أخرى وأشار ضمنيًّا إلى فاسدين، فقال الناس ما هذه الألغاز فليفصح؛ وعندما ذكر أسماءً في المرة التي تليها قالوا ما هذا الغباء، هل يصرح رئيس دولة في العالم بأسماء هكذا، ألا يعلم أنه قد يحاكم؟! لم يستمع المواطن للرجل بعين العقل التي راهن عليها الرئيس، وربما كان ذلك طبيعيًّا، ولكن ألا يحاول الخبراء سواء الموالين منهم أو المعارضين تحليل مضامين الخطابات تحليلًا عادلًا، فهذا لم يدل إلا على ضحالة في التناول، أو عدم تقدير لدقة المرحلة، بل ورفض ضمني للرجل وإن أظهر بعض الموالين التضامن.

وإذا انتقلنا إلى شريحة أوسع من الجمهور، فقد تابعنا آراء العرب في الأيام الماضية حول خطاب أردوغان حول قضية اغتيال جمال خاشقجي -رحمة الله عليه-؛ ووجدنا أن الأمر لم يختلف كثيرًا عما حدث مع مرسي، فكان أول رد فعل على الخطاب أنه لم يأت بجديد، وأن الخطاب كان مخيبًا للآمال، وأن أردوغان ضعيف، وهناك من اتهمه بأنه عقد صفقة مع السعودية ليحصل على أموال واستثمارات في مقابل أن يميت القضية، أو لترضى عنه أمريكا. علق العرب القضية كاملة في رقبة أردوغان ولم ينظروا إلى حجم الهوة التي كان يراد له أن يسقط فيها. انتقدوا المدرب كما هي العادة من مدرجات المشاهدين. هل توقعوا أن يخرج أردوغان ليوجه اتهامًا مباشرًا بالاسم لابن سلمان؟! هاجم الرجل بدبلوماسية رائعة وحاصر وناور في خطابه، ولم يكن مطالبًا بأكثر من ذلك. سرب إليك أيها المستمع حقائق لا يستطيع سردها في خطاب؛ فلحديث الرؤساء حدود لا يستطيعون تخطيها مهما ملكوا من الدلائل، وخاصة إن كان الأمر يتعلق بأرض تحتضن مقدسات المسلمين، أرض يعلم القاصي والداني حجم المؤامرات التي تحاك لتفتيتها. وانظروا مثلًا للسيسي الذي يخشى حتى اليوم أن يذكر اسم الرئيس مرسي في خطاب خوفًا ورعبًا. يجري أردوغان جراحة دقيقة ليخرج المرض الخبيث إن استطاع، وإن لم يستطع، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

والشيء بالشيء يذكر، فعندما يدافع البعض عن موقف مرسي أو موقف أردوغان يتهمه المتابعون للشأن السياسي بأنه «مطبل»، أي أنه يوافقه ويقلب باطله حقًّا كما يفعل أنصار الانقلاب في مصر. وأقول: إن اقتناع بعض الأشخاص بوجهة نظر مثبتة بأدلة وبراهين لا يريد الآخر حتى أن ينظر فيها ليتأكد إن كانت صحيحة أم فاسدة، أو أن يفند ردود الأفعال العالمية التي لا مبرر أن «تطبل» هي الأخرى، فإن هذا يعني أن الآخر هو المقصر وليس صاحب الرأي، وحتى لو كان الأمر كما يصور من يظنون في أنفسهم حيادًا كاذبًا، انظروا ماذا فعل «التطبيل» السلبي الذي هو جلد أهل الباطل، ها هم يتربعون ويذيقون من ثاروا على الظلم سوء العذاب. أما أصحاب الحق فيكتفون باتهام بعضهم البعض والسخرية من أولي الشرف الذين يقفون خلف القضبان، ناكرين لهم كل جميل، واصمين إياهم بكل نقيصة، وفي أفضل الأحوال يدعون لهم بالرحمة وفي قلوبهم غصة. ليت أصحاب الحق لديهم جلد أهل الباطل في الدفاع عن قضيتهم، ولكنهم ما زالوا لا يفقهون.

وفي النهاية أقول: إن الروايات الجيدة دائمًا ما يقدمها الكاتب في ثلاثة مستويات، مستوى سطحي بسيط يفهمه العامة، ومستوى متوسط يحمل فكرة النص ومعاني أخرى، وهذا يفهمه المشاهد المثقف، ومستوى ثالث أعمق، وهذا يكون من نصيب النقاد والمحللين. فإن أردتم فهم نص خطاب جيد، عليكم أن تنفذوا مباشرة للمستوى الثالث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

coup, Egypt, Erdogan, سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد