بين المفاهيم المغلوطة و محاولات النجاة .

اختلاف المعايير، ووهم المثالية، وسوء فهم مصطلح الإنجازات، وعدم تحديد مرجعية ثابتة ذات قيم معلومة، وهي فقدان المعايير الأساسية للتقييم والحكم على الأشياء.

كل هذه بعض من المشاكل الفكرية لدي جيل العشرينات، دعوني أحدد، بل حقبة من الذين يعلمون وغيرهم ممن لا يعلم ولا يعمل. 

تفاوت المعايير بين البشر بطبعه يولد الاختلاف، واختلاف الميول والأهواء الشخصية، والقيام بتأدية المهام بطرق مختلفة، من رحمة الخالق بنا أنه – سبحانه – استن سنة الاختلاف، فبدلًا عن أن يشكر البشر على تلك النعمة، جحدوا بها، جعلوها وسيلة للخلاف والنزاع، من أكثر ما يصيبنا بالأذي النفسي وسوء الخلق الإجتماعي، مزايدات بين فئتين مختلفتين من مجموعة من البشر لديهم آراء مختلفة على أرض الواقع أو على وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت مقبرة للتواصل الاجتماعي، مشتتة الاجتماعات بسبب سوء الاستخدام، يتطاحن الفريقان، والفائز من يسب أكثر، ليس المهم في نهاية الحوار وصول إلى حقيقة أو تغيير فكر أو مشاركة رأي، لا! فقط إثبات صحة وجهه نظرة، وأنه هو الطرف الوحيد المفكر وغيره لا يحملون عقل، لا يلتفت أحدهم لصحة دليل، أو منهجية، أو موضوعية، أو حسن إنصاف للآخر مع قبوله.

تحدث النزاعات في الأمور الشاذة التي ترفضها معتقدات الشخص وما يؤمن به من أفكار وما تمثل له أولوية، والفصل بينهما ينقلنا إلى اختيار مرجعية ثابتة ذات قيم معلومة، الفطرة النقية التي لم تنشأ في مستنقع أفكار المجتمع تستطيع أن تحدد أن المرجعية الصحيحة هي ما وضعها الخالق، لا غيرها ممن وضعها الخلق وبعض الأهواء الشخصية والأغراض المعنية؛ مما يقصدون ويَرغبون في تحقيقها، بل يُرَغِبون بها.

إذا تشبتس الإنسان بمعتقد صحيح يعيد تربيته وتنشأته، وينبت فيه كل ما هو جميل، ينقله من التشتت الداخلي إلى السواء والتصالح مع الذات، من الكور إلى الحور، من اختلاف المعايير الداخلية إلى القدرة على الانتقاء والاختيار، فيصبح فردًا قادرًا على موافقة ما يناسبه، ورفض كل ما يتنافي مع قيمه الداخلية، يتخلص من الخواء الباطني، يصبح ممتلئ بما هو مفيد له ولغيره، يؤمن بأنه قابل لأن يُعاد تشكيله، وأنه ينبغي أن يكون صالح مصلح، يؤمن بدوره المجتمعي، وكل هذا عندما يدرك سبب خلقه، يقولون: من تغافل عن غاية وجوده ونسي فضل ربه، لا يستحق هذا الشرف.

لتنقلنا تلك الجزئية إلى إشكال آخر، وهو عدم إستيعاب المعني، نعاني من عدم فهم كثير من المصطلحات فنصاب بمشاكل أكثر، كمفهوم الإنجاز ووهم المثالية والكمال الذي صُدر للجميع، لأن يكون ناجحًا سعيدًا عليه أن يكون نجمًا لامعًا في مجاله، ويخطف الأنظار، ويكون (multi_tasked) ليفخر به الناس ويقدروا إنجازه وشخصه، وأن يؤدي الأشياء كلها ودائمًا على أكمل وجه وغير مسموح بالأخطاء، يسرني أن أقول لك أنك تفكر بطريقة خاطئة. من قال إن تقييمنا ينبع من تقييم الآخر! نحن نقيم أنفسنا على ما كنا عليه بالأمس! على ما لم نقو عليه سابقًا فصرنا نفعله، المغالاة في تعظيم الآخر! من قال إن الإنجاز بالكثرة؟ وأن السعادة في تصفيق الآخرين؟ والتقدير نشعر به وقتها؟

كلها مفاهيم مغلوطة شائعة يقيم الكثير من الشباب عليها حياته، يشعر الإنسان بالإنجاز بأدائه أقل القليل، ومراعاة ضعفه البشري، وحالته الصحية والنفسية والمزاجية، ويعي أن مفهوم السعادة يختلف من شخص لآخر، ووسائله عديدة لكن غايته وغاية القيام بالشيء واحدة وهي الرضا، أن تكون نفسك مطمئنة، وأن التقدير نلقاه من أنفسنا، أن يعرف الإنسان نفسه فيؤتيها حقها، عندها يحظي باحترام الآخر، أو كرهه وانتقاده على حسب سوائه النفسي.

على كل إنسان أن يسعى لفهم نفسه، واستيعابها، وفهم مجريات الأمور، بل وآيات الكون قبلها، لينتقل لمعرفة غيره، على الإنسان الاختيار بأي سائل يُريد أن يملأ كوبه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

شباب
عرض التعليقات
تحميل المزيد