عدة دول – رغم صغر بعضها – اتخذت مناحي أوصلتها للريادة العالمية في مجال التعليم، الريادة التي أقيمت على عدد من الأركان الثابتة، ومن ضمنها «المعلم» الذي يقوم بدور الوسيط بين الطالب والمعرفة حتى الوقت الذي يتمكن فيه من تحصيلها بنفسه.
المعلمون في الأنظمة المتقدمة تعليميًا لديهم صلاحيات كبيرة واستقلالية ومسؤوليات تتناسب مع مدى تأهيلهم والثقة الممنوحة لهم ليعملوا بحرية أكبر، وعليه نستعرض معا بعض أهم الأدوار الرئيسية التي يقوم بها المعلم داخل وخارج الفصول في دولتين رائدتين في التعليم وهما  فنلندا واليابان.

1- التدريس وإدارة الفصل

يعمل المعلمون الفنلنديون على تخطيط الدروس كمهمة رئيسية يساعده على ذلك كون اليوم الدراسي داخل الفصل يشمل أربع ساعات يوميا في المتوسط.
وكذلك يحرص المعلم الياباني على أن يكون التحصيل الدراسي لطلبته بناء على قدرة كل منهم على بذل الجهد، ويحرصون على ردم الفجوات بين التلاميذ والقائمة على تباين نسب الذكاء بينهم، فالجهد الذي يتم بذله داخل الفصول هو الأساس.

2- التوجيه ومساعدة الطلاب

التوجيه الإضافي الذي يكمل الجهد المبذول داخل الفصول الدراسية، والذي يتلافى معه المعلمون أي تقصير، مستمرين في سد الفجوات بين مستويات الطلاب ليتمكنوا من اللحاق ببعضهم، وليمكنوا كل طفل من التعلم حسب وتيرته الخاصة.
يشمل التوجيه الإضافي مراقبة الطلاب وضمان أنهم يؤدون بالمستويات المناسبة. ففي فنلندا هناك معلمون متخصصون في العمل مع الطلاب الذين لا يحققون نفس مستوى الإنجاز العام يساعدهم في ذلك قلة عدد طلاب الفصول التي لا تزيد عن 20 طالبا.
كما يشمل التوجيه في النظام الياباني معنى آخر يحمل المعلم مسؤولية تنمية اتجاهات التعاون بين الطلاب للوصول لبيئة منتجة. من ذلك ما تحققه الفترة التي يتناول المعلمون فيها الغداء في المدرسة مع طلابهم في المراحل الأساسية من علاقات بين الطلاب ومعلميهم وبين الطلاب وبعضهم، كذلك الممارسات التي تؤكد حرص المعلم على تحقيق مستوى عال من المهارات الفنية وتأكيده على الأخلاقيات.

3- تخطيط المناهج

وإن كان بشكل محدود، ولكن لدى المعلم في فنلندا مثلا صلاحيات أكبر من غيرها، فبينما يقوم «مجلس التعليم» بتصميم المناهج تمتلك المدارس استقلالية تمكنها من وضع لمساتها عليها داخل الإطار العام.
المعلمون مستقلون إلى حد كبير فهم يصنعون خططهم الدراسية بأنفسهم ولا يخضعون للتقييمات الوطنية، يحافظون على سريان المعيار الحكومي على المناهج دون التقيد بمنهاج مكتوب، لهم حق تقسيم المادة واختيار الدروس وطريقة التدريس، وذلك بناء على التأهيل الجيد الذي يحصلون عليه. ومع ذلك فليس هذا هو الطريق الأوحد فنجد أنه في اليابان مركزية التعليم هي الأساس.

4- التواصل مع الأسرة

من الإجراءات المؤكدة لدور المعلمين في توجيه الطلبة خارج الفصول هي الزيارات الدورية التي يقومون بها إلى منازل الطلاب، بهدف التواصل مع أسرهم والاطمئنان على المناخ العام لاستذكار التلاميذ.

5- تطوير أنفسهم

في تلك الأنظمة المتطورة يكون لدى المعلم الوقت والموارد اللازمين للعمل على رفع مستواه العلمي وتحقيق متطلبات تطوير عمله بواسطة التدريبات والدراسات بشكل مستمر.

6- إقامة بدائل للدروس الخصوصية والكورسات

حيث تقام فصول خاصة لتزويد الطلاب بالمساعدة الإضافية خلال أيام الأجازات، وكذلك ورش عملية بعد اليوم الدراسي تمكن الطلبة من تعلم المزيد من الأشياء، ويحضرها نسبة كبيرة من الطلاب، للاستمتاع بأوقاتهم وتطوير قدراتهم ورفع مستواهم.

7- التقييم

المعلمون في فنلندا مسؤولون عن دمج التقييمات في الدروس وتعزيز قدرة الطلاب على تقييم أنفسهم ذاتيا، كما يقوم المعلم الياباني بإدارة مناقشات بين الطلاب تمكنهم من تصحيح المسار لبعضهم البعض.
ليس هناك اختبارات في مرحلة التعليم الأساسي بفنلندا (السنوات التسع الأولى) لكن يتم تقييم أداء الطلبة من قبل المعلمين وتبقى نتائجه سرية، حتى تزيد ثقة الطلاب بقدراتهم ولا يسمح للتمييز بينهم.

8- أعمال إدارية

أحيانا بعض المعلمين يؤدون مهام أخرى يندرج بعضها ضمن اختصاص الإداريين، في حين يرتبط البعض الآخر بأعمال الصيانة.

هذه بعض أهم الأدوار الرئيسية التي يقوم بها المعلمون في فنلندا واليابان باعتبارهما دولتين رائدتين في التعليم الأساسي، وفي خلفية تلك الأدوار يحصل المعلمون في تلك الأنظمة على حزمة مزايا تكافئ جهودهم، وتمكنهم من أن يصبحوا قوة داعمة في تحقيق النهضة ومن ذلك كونهم مؤهلين بشكل جيد، فمعلمو فنلندا مثلا لا يتمكن الواحد منهم من دخول الفصول قبل الحصول على درجة الماجستير على الأقل.
كذلك يدفع لهم جيدا ويحصلون على أعلى الرواتب، كما أنهم مبجلون في مجتمعهم، فمهنة المعلم أكثر تبجيلا من مهنتي الطب والقضاء هناك. وبالإضافة إلى ذلك أنهم ليسوا مجرد مدرسين بل مربين يعملون على توجيه الأطفال وما هو أكثر من التدريس، ولهم مواقف إيجابية تجاه الثقافات المختلفة.
إذن منحتهم الحكومات عدة مزايا تعينهم على التفرغ للعمل والإبداع فيه، وفي المقابل ألقت عليهم قدرا لا يستهان به من المسؤوليات. تلك المزايا والمسؤوليات هي التي كونت معا نوعية المعلم الفريدة في الدول ذات الأنظمة التعليمية السباقة.
فالتأهيل المستمر والثقة الممنوحة والمسؤولية الكبيرة والمكافأة والرقابة الذاتية تعمل معا في منظومة واحدة مكونة المخرج النهائي لواحد من أركان النظام التعليمي لأية دولة أو عدة أركان.
وعليه وإن كنت كثيرا ما ألوم عدم وجود إرادة لدى معظم المعلمين – لدينا – للتغيير وما زلت أعتقد أن الخطوة الأولى تأتي منهم، إلا أنني الآن أعتقد أن الدور الأكبر ما زال على الحكومات التي عليها أن تفعل الشيء الكثير لتثبت حسن نيتها ووجود إرادة فاعلة لديها لإقامة تعليم كفؤ من الصفر، فعلينا ألا نخدع أنفسنا ونستمر في ترديد مصطلح «تطوير التعليم» الذي لم يعد يصلح. والله المستعان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد