الإنسان بطبعه اجتماعي هذا مابيَّنه المفكِّر والعلامة ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، إذ من المستحيل العيش بدون الآخر، فمنطق هاته الحياة هو التعامل فيما بين الناس كالتعاون، والتكافل، وتبادل، والحاجات، لذا فمن غير الممكن أن ينعزل الفرد عن مجتمعه، وقد تواترت كل النصوص التي جاءت بها جُلُّ الكتب السماوية لتأكيد ذلك، فالتقارب الإنساني والاجتماعي أمر حتمي لا بد منه، غير أنَّه مع هاته الفترة التي عرفت انتشارًا واسعًا للفيروس الصيني المعروف بكوفيد-19 أو كورونا، برز بقوة مصطلح التباعد الاجتماعي الذي تزامن أيضًا مع ظهور مفاهيم أخرى كالحجر الصحِّي، والتي تندرج ضمن إجراءات الوقاية من هذا الوباء، لكن السؤال الذي يتبادر للأذهان هل الوباء كرَّس مبدأ التقارب الإنساني أم التباعد الاجتماعي؟

لقد عرف العالم منذ العصور القديمة أوبئة فتَّاكة قضت على البشرية وغيَّرت نمُوها الديموغرافي والاجتماعي، فمنها من كان منحصرًا في حيِّز جغرافي معيَّن ومنها أوبئة عالمية تخطت حدود الدول والتي تعرف بالجائحة، ومن أشهرها طاعون جستيان الذي انتشر في حوض دول البحر المتوسط خلال القرن السادس الميلادي، أو ما يُعرف بفترة العصور المظلمة والذي حصد ما يُقارب 50 مليون شخص، وطاعون الموت الأسود والذي كان أكثر فتكًا وأخطر وباء خلال القرن الرابع عشر، فقد انتشر بسرعة من الصين ثم الهند فأوروبا وشمال أفريقيا، والذي قضى على نصف المعمورة آنذاك، ولعدم معرفة الناس حينها بإجراءات السلامة الصحيّة لم تُتخذ الاحترازات الوقائية لمنع تفشي الأوبئة أو تقليل آثارها، أما في العصر الحديث فقد ظهرت عدّة أوبئة كالجدري، والكوليرا، والإنفلونزا الإسبانية، إنفلونزا الحيوانات كالخنازير والطيور، السارس، والإيبولا، وكورونا المستجد حاليًا، ومع تطور التكنولوجيا والتكتشافات الطبيَّة فقد تقلَّص عدد الوفيات مقارنة بالعصور الماضية، فتم وضع برتوكولات صحية استباقية لحصر الوباء ومُحاربته، وخير دليل على ذلك هو استعانة الصينيين بفكرة الحجر الصحي، والتي كان الديّن الإسلامي سبَّاقًا في تطبيقها خلال طاعون عمواس، الذي ظهر في الشّام؛ حيث مُنع الناس من الدخول إلى المناطق الموبوءة، ومنع المصابون من الخروج منها.

ومن هنا تتضّحت أهميّة العزل والتباعد، ويقصد التباعد هنا عدم التقارب الجسدي لا غير، فقط ألزمت العديد من الدول مواطنيها بالتباعد الاجتماعي بمفهومه الشامل، أي قطع التواصل، لكن مع الإغلاق والعزل وما صاحبه من انعكاسات سلبية اقتصادية، تحتَّم على الدول تخفيف القيود والإجراءات وأصبح التباعد بمفهومه الضيِّق يقتصر فقط على الجسد مع إجباريَّة ارتداء القناع الواقي في أماكن العمل، ومختلف الأماكن العامة الأخرى لاحتواء الجائحة ومنعها من التفشي.

لقد ذكرنا سابقًا أنَّ الإنسان اجتماعي بطبعه، فرغم كلِّ الأزمات لم يبق منعزلًا عن الآخر مكتوف الأيدي، فقد توجَّب عليه مُشاركة أخيه ومُواساته في عزلته، فقيم التضامن والتكافل مُترسخّة في الوجدان البشري، صحيح نعيش الآن سباقًا طبِّيًّا فريدًا من نوعه من قبل مخابر عالمية لاكتشاف اللقاح والفوز بتوزيعه الحصري، وما يترتب على ذلك من أرباح خيالية، لكننا أيضًا شهدنا هبات التضامن والمساعدة والتعاون ما بين الشعوب وحتى ما بين الحكومات والهيئات والمنظمات، فالاشتراك في مُجابهة هاته الجائحة بالرغم من اختلاف اللسان والدين والعرق أبرز أهميَّة التقارب الإنساني.

لذا فمع صغر العالم وأصبح في نظر الكُل قرية صغيرة مع التطّور الرهيب للتكنولوجيا في جميع الميادين، فإنَّ القيم الإنسانية لم ولن تزول من الفرد أو المجتمع ككُل، فوباء كورونا لم يفرز لنا تباعدًا اجتماعيًّا فقط بل أفرز أيضًا تقاربًا إنسانيًّا بجميع قيمه النبيلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد