لم يكن للتظاهرات الاحتجاجية التي تشهدها الساحة العراقية منذ أكثر من ستة أشهر، سابقة لها في البلاد من قبل، مع أنها ليست الانطلاقة الشعبية الأولى، لكن يمكن عدُّها تتمّة لسلسلة النضال الشعبي العراقي ضد الحاكمين في العراق، بدءًا من تظاهرات بغداد عام 2009، ومرورًا بتظاهرات 25 شباط واعتصام المحافظات المنكوبة، لتبلغ ذروتها مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2019 وحتى يومنا هذا.

كان لهذه التظاهرات إنجازات عدّة، انطلاقًا من تغيير اللعبة السياسية المستمرة منذ عام 2005 في الساحة العراقية، ونظام الفساد المتجذّر في البلاد، فضلًا عن الصفقات السياسية والصراعات بين الأحزاب، وحتى الوعي الشعبي الكبير، الذي نمّته النشاطات الشبابية في ساحات التظاهر والاعتصام.

الإنجاز السياسي

حقق الشباب المتظاهرون إنجازات على المستوى السياسي بصورة كبيرة لم يكن قد يتحقق ولو بعضها منذ عام 2005، إذ عملت على تغيير اللعبة السياسية المتمثلة في المحاصصة الطائفية والصفقات السياسية الفاسدة، والعلاقة بين الكتل والأحزاب على حد سواء.

فقد كانت الصفقات السياسية تسير بعيدًا عن أنظار الشارع العراقي، الذي وصل مستوى الفقر في أوساطه إلى مستويات خطيرة قاربت 50%، والذي كان منشغلًا في تدبير معيشته والكفاح للحصول على لقمة العيش، كما أن الأحزاب كانوا لا يعيرون أيّ أهمية لغضب شعبي قد تثيره صفقة سياسية ما.

اليوم، ومع تفتح المجتمع العراقي وزيادة وعيه وانتشار فضائح الحاكمين في البلاد بسرعة البرق على مواقع التواصل الاجتماعي؛ أصبحت اللعبة السياسية مغايرة لما سبق، ففي الماضي كانت تسير الصفقات والاتفاقات المشبوهة بين الكتل السياسية لتوزيع الحصص والمناصب في ظِلِّ التكتم الإعلامي والتضييق على حرية الصحافة، بينما اليوم أصبح الأمر مكشوفًا أكثر، فورقة الابتزاز هي مفهوم سائد بين الخصوم في العملية السياسية، إذ يفضح كل منهم الآخر في مقطع مصور أو حقيقة ينشرها بتغريدة، فيهب العراقيون في مشاركة هذه الفضيحة لتصل إلى ساحات التظاهر وتصبح مطلبًا شعبيًا بارزًا.

وبهذا، فإن التحركات السياسية لدى الحاكمين في البلاد اليوم لم تعد كما كانت؛ فقد فرض المحتجون عليهم قيودًا، وسلّطوا عليهم عيونًا تلاحقهم وترعبهم، ولم تعد أقدامهم تسير بهم في حرية كانوا يستغلونها فيما يحلو لهم، فالآن يحسب أصحاب القرار والنفوذ حسابهم قبل أيّ صفقة يسعون لها، خوفًا من الرأي العام الذي لم يعد مسيطرًا عليه كما كان سابقًا وفق فرض السياسات والملاحقة الأمنية في ظِلِّ غياب العدالة والقانون.

تراجع الفساد المتجذر

كان الفساد أمرًا بارزًا يمارسه أصحاب النفوذ في المؤسسات الحكومية من دون خوف من مساءلة، أو خضوع للقانون الذي وضعه الاحتلال وفق مقاسات تليق ببلد أرادوا منه أن يبقى ضعيفًا لصالح دول الخارج. واليوم، بعد الاحتجاجات التي هزت أركان نظام الفساد المتجذر في هذه المؤسسات، أصبح الموضوع أكثر تعقيدًا لكبار حيتان الفساد وصغارها.

لم يعد الابتزاز اليوم أو طلب الرشوة أو تمرير صفقة مالية ما، أمرًا هيّنًا كما كان من قبل؛ فالخوف أصبح هاجسًا في حياة المتنفذين، واعتراض موظف وطني أو مراجع في الدائرة، أو أيّ تلاعب قد يسرّب إلى الشارع، يعني أنها أصبحت رأيًا عامًا ومطلبًا شعبيًا لمعاقبة الجناة، وهذا ما يقوّض نظام الفساد ونشاطه.

ولم يكن الخوف وحده حائطًا أمام الفاسدين في ممارسة جرائمهم، بل إن التسويق السياسي أصبح لعبة مهمة يمارسها المتنفذون والمسؤولون في المؤسسات؛ فالإنجازات قد تلمّع صور الفاسدين اليوم، لا سيما أن المتظاهرين يتشبثون بأي أمل قد يطرأ على السطح، حتى وإن كان هزيلًا.

وعي وطني

أبرز أمل طاف في المشهد العراقي مع التظاهرات المستمرة منذ ستة أشهر، هو الوعي الشبابي الذي نسي شيئًا اسمه الطائفية أو المناطقية، أو المسميات التي سعى الحاكمون إلى إشغال العراقيين بها بعيدًا عن جرائمهم.

المتابع للشأن العراقي يرى بروز حملات تعكس الوعي الحقيقي الذي يشهدُهُ المجتمع العراقي اليوم، على عكس ما كان قبل ذلك، فبالحملات الوطنية والحس بالمسؤولية انتعشت الزراعة العراقية، وأصبح البلد يتمتع باكتفاء ذاتي في كثير من المنتجات المحلية.

كما أن الوعي لم يقتصر على ذلك، فقد كان هنالك ناشطون من الشبان الصغار، يعملون على تنظيم حملات إنسانية لإيصال المساعدات إلى الفقراء والمحتاجين، وإيصال معاناتهم إلى الجهات المعنية، المحلية منها والدولية.

واستمر الوعي في التصاعد الطردي، من خلال دعم القطاعات الحيوية في ترميم المدارس ونشر الوعي الفكري، لا سيما مع أزمة فيروس كورونا والنشاطات الشبابية التي تعكس روح التعاون بين العراقيين، عبر الحملات التوعوية وتوزيع المستلزمات وما إلى ذلك، ولم تحصر في نطاق محدد.

العراق اليوم – على الرغمِ من كل الأزمات والمخاطر الاقتصادية والصحية والإنسانية التي تهدده – يسير نحو طموح كان بعيد المنال، إلا أن ما استجدّ بعث أملًا في تصدع الحاكمين وتفكك ما كان يقويهم، فضلًا عن قوة المجتمع التي قد تجبر الحاكمين على الرحيل، إن لم نقل إنهم قد يطردون، فتلبية مطالبهم – رضوا أم لم يرضوا – صارت مطلبًا مستجابًا إجبارًا، وبه تحل العقد والأزمات، وأصبح هذا أملًا راسخًا لدى كل فرد عراقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد