مع بداية 2011 انطلقت شرارة الثورات العربية أو كما تسمى ثورات الربيع العربي بداية من تونس وومرورًا بمصر وليبيا واليمن وسوريا، والتي هي بيت القصيد في هذا المقال.

استطاعت الثورات في بعض البلدان تحقيق أهدافها وبعض أهدافها في بلدان أُخرى، لكن توقفت محطّتِها في سوريا دون تحقيق أهدافها المرجوة.

سأستناول في هذا المقال الطرق التي اتبعها النظام السوري لإفشال الثورة والحيلولة دون تحقيق أهدافها المشروعة. تفاجأ النظام السوري بالثورة التي حصلت في سوريا، فقد كان يشك أنه بعيد كل البعد الاحتجاجات التي حدثت في البلاد العربية، إذ كان يراهن على قوة الأجهزة الأمنية وكثرتها التي استطاعت أن تقمع السوريين لزمن طويل.

لكن رياح التغير هبَّت عليه وحدثت الانتفاضة، لتكذّب زيف كلامه بأن سوريا لن يحدث بها ما حدث في البلاد العربية. ولمواجهة هذه الانتفاضة وهذه الثورة كان لا بد للنظام السوري من اتباع طرق تهدف لإفشال الثورة وإظهارها على أنها أعمال شغب وتخريب.

وأهم هذه الطرق التي اتبعها النظام هي:

أولاً: زج عناصر جهادية داخل جسد الثورة السورية

عمد النظام السوري منذ بداية الثورة إلى زج عناصر متهمين بعمليات إرهابية، حيث قام بإخراجِهم من السجون والزج بهم داخل الثورة لكي يُحرّفوا مسارها السَوي، ويوهم العالم أن هذه الثورة ما هي إلا أحداث شغب يقوم بها مجموعة من العناصر الإرهابية تهدف إلى زعزعة الاستقرار وخلق البلبلة في سوريا.

فبحسب مقال في موقع العربي الجديد قال الصحفي محمد محمود العلي:

اقتباس [من الأوراق التي لعب بها النظام بعد اندلاع الاحتجاجات السلمية في مارس 2011، بحسب عبد الله (معتقل سابق)، إطلاق سراح سجناء الجماعات الجهادية المقاتلة التي اكتسبت خبرةً في حرب العراق 2003، قائلًا: «من الطبيعي أن يذهب أغلب عناصر هذه الجماعات إلى حمل السلاح والدخول في صدامٍ مع النظام، ولا أقول عن هذه العناصر إنها عميلة، لكن بعضها يقوم بخدمةِ أجندة النظام الذي يسعى إلى استغلال هذه الحالة، لتوظيفها في نطاق الحملة العالمية في (الحرب على الإرهاب)، كي يصور نفسهُ ضحية، وأن المتظاهرين ليسوا سلميين».] انتهى الاقتباس.

أراد النظام السوري من خلال الجماعات الجهادية تنفيذ أجندته المتمثلة في إظهار الثورة السلمية على أنها ثورة قتل وإرهاب وتخريب، لكي يستعطف دول العالم للوقوف معه في إجراءاته الوحشية ضد شعبه.

ثانيًا: تصوير الأحداث على أنها مؤامرة خارجية تهدف للنيل من استقرار البلاد. بالإضافة لدفع جماعات جهادية في قلب الثورة السورية

قام النظام السوري أيضًا بتصوير الأحداث على أنها مؤامرة تهدف الى إيقاع الفوضى، وذلك نتيجة مزاعم بأنه يتبع مسار المقاومة، إذ إنه وصف الأحداث بأنها حصلت نتيجة تدخل خارجي عبر مرتزقة جنَدتهم دول أجنبية لحرف سوية عن مسارها المقاوم.

حيث اتكأ النظام السوري على «العداء مع إسرائيل» من أجل موضعة نفسه في الصراع بوصفه نظامًا ممانعًا، تسعى إسرائيل ودول الإقليم والغرب إلى تغييره، وفي هذه الحالة، أصبحت قطاعات شعبية واسعة تنتمي إلى الانتفاضة محسوبة على الطرف الآخر المتآمر على النظام، بل وجزءًا لا يتجزأ من أدواته، ولاحقًا، موضع النظام نفسه كنقيض للإرهاب، في الوقت الذي نمت فيه على الساحة السورية تنظيمات إرهابية تكفيرية، من أجل وسم الثورة بأنها مؤامرة من أجل تحويل سوريا من بلد للتعايش الاجتماعي بين طوائف وإثنيات متعددة إلى بلد يحكمه أصوليون.

ثالثاً: الاستنجاد بدول اقليمية وعالمية للحفاظ على بقائه في سدة الحكم

عندما شعر النظام السوري بأن حكمه قارب على الزوال إثر وصول قوات المعارضة إلى دمشق، وفقدانه جزءًا كبيرًا من الأراضي التي كانت تخضع لسلطته، وفقدانه أهم ركائز الاقتصاد وأقصد هنا حقول النفط وجزءًا كبيرًا من الأراضي الزراعية التي كان يستخدمهما لتمويل «الشبيحة» للقيام بقتل المتظاهرين، كان لا بد له من الاستنجاد بقوى إقليمية وعالمية لاستعادة ما فقد وإعادة فرض سيطرته، وعلى إثر ذلك طلب يد العون إيران، وعندما فشلت إيران في استرجاع هيبته استنجد بروسيا باعتبارها حليفًا سابقًا وقوة عالمية.

لبّت روسيا نداءه مقابل صفقات اقتصادية كبرى لها في سوريا متمثلة في بيع الأسلحة للنظام وتدعيم قاعدتها العسكرية في محافظة طرطوس، إضافة إلى ذلك تجريب بعض أنواع الأسلحة الحديثة على الأراضي السورية.

كان لتدخل روسيا الأثر القوي الذي ساهم في استرجاع النظام السوري للكثير من الأراضي من يد قوات المعارضة وإضعاف الثورة السورية وفقدانها قوتها.

بهذه الطرق استطاع النظام السوري تأخير نجاح الثورة السورية، وأقول تأخير لأن أي ثورة مهما طالت ومهما فقدت من قوتها لا بد من النهاية من أن تحقق أهدافها.

وإن كانت الفائدة الكبرى قد تحققت، وهي كسر الشعب السوري لحاجز الخوف لنظام كان أقل ما يقال عنه إنه نظام حديدي مستبد يسمع همس مواطنيه إذا تفوهوا بكلمة واحدة ضده.

نهايةً إن الثورات حالة صحية هامة للمجتمع، تهدف لتجديد مواثيقه واللحاق بركب الديموقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، هنالك حقيقة لا شك فيها، وهي أن أي ثورة مهما طالت سوف تنجح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد