فلسطين والقدس وكل بقعة في تلك الأرض الطاهرة هي مقياس إيمان هذه الأمة. فانظر إلى نفسك إن فرطت ولم تكترث لما يحدث بها، فقد وجب عليك مراجعة نفسك، وانتبه لما تبقي من كينونتك، وإن وجدت شيئًا من الضمير ما يزال لديك؛ فلتستعرض معي لماذا هُنّا على أنفسنا وهانت علينا أرواحنا ومازلنا لا نحرك ساكنًا.

فلسطين كلها قد ضاعت منذ زمن بعيد، لكننا تعلقنا بأمل وحُلم قديم عُمره يزيد على 60 عامًا، وهو دولة فلسطينية عاصمتها القدس. 60 عامًا بل بالأحرى 60 سنةً؛ فالعام من الزهو والنمو والرخاء، وإنما سنة من السنين العجاف. كل هذا الوقت وأكثر ونحن نعيش بالمسكن والمخدر طويل الأمد، الذي طال أمده حتى فنيت أجيال وتبدلت وجوه وأجساد.

لكننا وقبل أن نفقد القُدس منذ زمن يا أحباب، قد فقدنا أشياء أخرى لا حصر لها، جعلت من ذوي المهابة صغيرًا كان أم كبيرًا، ورعاة الغرب وكل صاحب شأن وكل وضيع، يقلل ويستهين بأمة المليار وأحفاد صلاح الدين وعمرو بن العاص وعمر وعثمان وعلي وأبي بكر. إننا وقبل أن نفقد القدس قد فقدنا عزة الإسلام، وعنفوان العرب، وكرامة أهل البادية، ومروءة الأخوّة، ونخوة الجار، وشهامة الرجال الأقوياء ذوي العرف والمهابة. وتفاجأنا وبكل أسف أننا قد حق علينا قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: أومِن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ فقال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة، وليقذفن في قلوبكم الوهن. فقال قائل: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا، وكراهية الموت» فهل أصبحنا بكل هذا العدد كغثاء السيل؟ أبكل هذه العدة والعتاد لا تجمعنا كلمة ولا توحدنا غاية؟ وليس لقلوبنا أن تطمئن لأمر واحد؟

 

بكل ما أوتينا يا سادة وكتب علينا أن نظل أمةً منزوعة الدسم، خيرها لغيرها ومُرها لأولادها، أمةً تتفق فقط على ألا تتفق ولا شيء آخر. ليس لنا تأثير في العالم على الإطلاق سوى زيادة تعداد قاطنيه. طبّق الغربيون والأمريكان كل المخططات والألاعيب الموجودة بالكتب والمؤامرات المنبعثة من عقولهم علينا ونحن بلا رادع ودون أي ردة فعل تذكر. أصبحنا نثور لتلك الكيانات الهشة التي نعيش بداخلها ومن أجلها فقط. احتُلت فلسطين ولم نحرك ساكنًا، دمروا العراق ولم نَثر، غدروا بليبيا لذهبها وبترولها ولم يرف لنا جفن، قتلوا وسلبوا أرواح أهل اليمن الشقيق ولم تفق عقولنا، سوريا الأبية دُمرت وما تزحزحنا من مجالسنا، عاثوا الفساد في مختلف أرجاء الوطن العربي والشرق الأوسط وما تحركنا، بتنا بقلوب كالحجر بل الحجر بريء مما نحن عليه. نحن اليوم لا نحصد سوى ما جنته سنوات التشتت والفرقة واللامبالاة برغم كل ما يجمعنا من دم ودين ولغة وتاريخ وكفاح وعروبة وموقع جغرافي. فهل تتساءلون اليوم لماذا يحتقر المواطن العربي في العالم؟ وكيف تدنت هيبتنا؟ أين ضاعت النخوة والكرامة؟

كل ذلك لأننا اتكأنا نتابع المسلسلات ومسابقات الغناء ومحافل الرقص، ولم نكترث لأمر إخوتنا، لم نأبه لخبر عاجل على شاشة التلفاز عن القتلى والجرحى والمغتصبين والمشتتين وأطفال قتلوا خنقـًا بالغاز أو حرقـًا بلهب الصواريخ هنا وهناك، لم نفتح بيوتنا للمهَجرين والمَنكوبين وليس ذلك فقط، بل إننا لم نساندهم حتي بكلمة حق. فصار منا من يقول بأن القدس عبرية لا عربية، يهودية لا إسلامية. كما أوهمنا أنفسنا بأن أهل سوريا لم يكونوا في حاجة إلى ثورة. وأن أهل ليبيا لا يعرفون معنى التحضر، وصدقنا كلام الافتراء بأن الفلسطينيين قد باعوا أرضهم. بالله عليكم أي منطق هذا؟ ومن يبيع تاريخه وهويته؟ من يثور وهو في نعيم؟ ومن لا يثور من أجل الحق ومن أجل مستقبل أفضل؟ صار العيب في مجتمعاتنا العربية هو السائد والمألوف. استمرأ الذل منّا وبات انحلال الأخلاق هو موضة العصر. فجلسنا نحتسي كاسات الذل ولا نرتوي، تأصل فينا الخنوع إلى أن قضى على ما تبقى من ضمائرنا. بل نسينا قول القائل: لا تسقني كأس الحياة بذلة… بل فاسقني بالعز ماء الحنظل.

ومن المفاجأة أن سيدنا عُمر بن الخطاب قد أخبرنا بالسر منذ زمن بعيد، حينما أتى يتسلم مفاتيح القدس وعندما سأله أبا عبيدة أن يغسل عن قدمه، ويغير ثيابه بعد طريق طويل، كان يتناوب فيها الفاروق عمر بن الخطاب ركوب الدابة مع غلامه فاتسخت قدماه. فما كان من سيدنا عمر إلا أن قال: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. والله لو أن أحدًا غيرك قالها يا أبا عبيدة لعلوت رأسه بهذه الدُرّة. ولما رآه بطريرك أورشليم آنذاك وسلمه المفاتيح قال له: أنت من رأينا أوصافه في كتبنا. يدخل ماشيًا وغلامه راكب، وفي ثوبه ١٧ رقعة. ولما استلم الفاروق المفاتيح خر ساجدًا لله وقضى ليلته يبكي. فلما سُأل عن سر بكائه قال: أخاف أن تفتح عليكم الدنيا فينكر بعضكم بعضًا، وعندها ينكركم أهل السماء. أبعدَ كل ما كان من عز نصل إلى هذا الهوان؟ إن كان الأمر كذلك فليس بغريب ما يحدث فينا الآن. فكما يبدو أن الدنيا قد فتحت علينا يا عمر! وأصبحنا نتعلق بها تعلق الطفل بأمه، صرنا نخاف الموت كما لو أننا سنلقى في جهنم ولسنا من خير أمة أخرجت للناس.

كفانا بالله عليكم انتكاسات، كفانا هوانـًا وذلًّا في حق أرواحنا، كفانا فرقةً وسماعًا للصوت الأجنبي، لنتخلص من جو المؤامرات التي تحاك بنا في الداخل والخارج. لنعط لأنفسنا ولشبابنا ولرجالنا فرصةً نحافظ بها على ما تبقى من كرامة وعزّة. لنركز وبجدية في حل حقيقي ينجينا مما نحن فيه. لنعد إلى الله تعالى فهو القائل «اهدنا الصراط المستقيم»، «صراط» باللفظ المفرد لأن طريق الله واحد نسير فيه جنبًا إلى جنب متكاتفين كما في الصلاة. وليس في أزقة متعددة تختلف فيها قلوبنا وتستقوي فيها أرواحنا بعضها على بعض. لم يكن ليحدث ما نحن عليه الآن من تجرؤ ذلك المدعو ترامب وكل من عاونه إلا ببعدنا عن الله فهو سبحانه وتعالى القائل «نسوا الله فنسيهم»، «إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم». فهل نصرنا الله؟ هل انتصرنا على أنفسنا؟ انظروا إلى قنواتكم وهواتفكم ومدارسكم لتتبينوا هل نصرنا الله أم لا؟ انطروا إلى أولادكم ومجتمعاتكم لتكتشفوا الحقيقة المرة. هل مازلنا نحافظ على الهوية الدينية والوحدة العربية يا خير أمة؟ ما العذر الذي ستقدمونه إلى الله؟ وإلى النبي محمد في التفريط في مسراه؟ وإلى الفاروق عمر وعمرو بن العاص وجيوش المسلمين؟ ما العذر الذي ستقدمونه إلى أنفسكم وأولادكم؟ ما العذر أمام قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى». ما أعذارنا يومئذ بالله عليكم؟!

نحن يا سادة لن نعيد القدس بالأبراج واليخوت وكأس العالم، إن القصور والذهب لن تدخلنا الأقصى. لن نستعيدها إلا بالانتصار على أنفسنا وتآلف قلوبنا على كلمة سواء، وحينما نصبح على قلب رجل واحد حينها فقط سيقذف الله رهبتنا في قلوب أعدائنا، وستقوى شوكتنا، وسنستعيد عزتنا وكرامتنا، سيصبح لدينا ما نورثه لأولادنا من عزة نفس ودرء المعتدي.

إن الشعب الفلسطيني الأبيّ، ومنذ زمن بعيد، قد عُدّ من الشعوب النازحة والمشردة، ولكنهم أهل شهادة ويقين وحزم. ونأمل أن يكون ما يحدث في الوطن العربي من ثبات الآن كهدوء ما قبل العاصفة، أو ما من شأنه أن يسبب إفاقةً سريعةَ وعاجلة لكل مواطن عربي شريف. أذكركم وأذكر نفسي بقول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: «بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. سيأتي لأهل فلسطين من المدافعين والمناصرين الشرفاء الذين هم جند الله وأحبته وإلى ذلك الحين تحية إعزاز مني لكل فلسطيني حر دافع ويدافع عن تلك البقعة الطيبة. تحيةً عطرة لكل طفل وسيدة وفتاة، لكل شاب وعجوز. أُحتل الوطن العربي كله حتى عقولنا إلا فلسطين. بلد الأحرار وموطن الشرفاء. نحن معكم بقلوبنا وأرواحنا أُحييكم، وتحيا القُدس العاصمة الأبدية لفلسطين شاء من شاء و أبى من أبى.

أعلم أنكم قد سمعتم ما يكفي في هذا الشأن، وأن مقالي هذا ربما يعد نقطةً في بحر مراجعكم، لكنني أحاول أن أثور وأنتصر على نفسي ولا أرجو منكم إلا أن تحاولوا فلعلها المنجية!

رزقنا الله وإياكم إفاقةً عاجلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد