من نافل القول، أن العالم اليوم بدأ يتغير، أو لنقل أن الأنظمة السياسية العربية لم تتغير، بل العالم من حولها يجبرها على أن تتغير، مجموعة من الأنظمة السياسة العالمية المجاورة لها والمؤثرة فيها، وهذا ليس أصلا من أصول الموضوع وإنما هي مسألة لها صلة وثيقة بهذا التغيير، والفكرة الأساسية التي سنطرحها هي: ما هي وجهة الأنظمة العربية اليوم؟، هل ستفكر في تغيير خارطتها السياسية وسياساتها العامة؟ وأي مكان ستحدده للعالم العربي في تضاريس هذا العالم؟ هل مع التبعية والخضوع، والخيانة والعمالة لأنظمة عالمية إمبريالية ودكتاتورية كبرى؟ أو أنها تفكر صراحة في التجديد والرجوع لجادة الصواب؟

نحن نحتاج اليوم وربما أكثر من أي وقت مضى إلى تحديد وجهتنا، قد يقول البعض منا متهكمًا إن تحديد هذه الوجهة مسألة تقررها أنظمتنا السياسية وحدها، ولا مكان لشعوبها ومواطنيها في مثل اتخاذ قرار كهذا، وربما يحدث العكس أيضا، لكن الموضوع الذي سنعرضه في هذا المقال لا يتعدى بأن يكون طرحا فرديا وهم من هموم مواطن، انطلق من تصورات مستقاة من الواقع الذي نحياه ونعيشه في ظل هذه الأنظمة التي شكلت نكبة وينبوع شر وفساد لشعوبها.

في حقبة يكثر فيها الكلام والطنطنة والصراعات القاتلة داخل النظام السياسي الواحد علينا أن نتساءل:

أي نوع من الاقتصاد تريد هذه الأنظمة؟

اقتصاد يرتكز على العلم والتقنية أو على اقتصاد يعتمد على النفط والريع والقومية؟ فقط علينا شعوبًا وعليها أنظمةً أن تختار وجهتها الاقتصادية، مثلا أن تظل حبيسة اقتصاد الريع والتوزيع غير العادل للثروة أو أن تخلق الثروة وتقوي من الإنتاج المحلي موفرة الأمن الغذائي والطاقوي والمائي أم أننا نريد خبزا محليا ومستوردا، هل تريد حليبا طازجا أم بقرا أمريكيا من مخابر كنتاكي وماكدونلد؟ ومن المعلوم أن الاقتصاد شريان كل دولة وسلة خبزها، وإن كانت هذه السلة في يد عدوها ماتت جوعًا وقهرًا.

أي نوع من أنواع الحكم تريد هذه الأنظمة؟

هل تفضل النظام السلطوي العسكري الذي يمجد الماضي أم نظام ديمقراطي إسلامي حر؟ هل عليه أن يكثر من اقتناء عتاد المخابر والأبحاث، أو عليه أن يكثر من اقتناء سيارات الشرطة؟ وكيف تريد مثل هذه الأنظمة توزيع عوائد ثرواتها، هل ستخصصها للحرب والجيش، أم للتطوير والثقافة والصحة والتعليم؟ وهل نريد قطاعًا زراعيًا هشًا يعتمد على تقنيات الماضي، من المعول والأرض والفلاح أم نريد زراعة عصرية تعتمد على الجرار وعلم الجينات والوراثة النباتية، فالمواد الخام ليس مصدرها الصحاري فقط، بل يمكن استخراجها من الهواء والشمس والبحر، فمثلا: إن استراتيجية الجيوش لا تعتمد في نصرها على امتلاك مقاتلة ميغ 35، أو منظومة صواريخ «أر.إس 24 » بل تنصر التقنية الأكثر تطورا وذكاء، والمعلومة المخابراتية هي التي تلعب دورا رئيسيا في إسقاط الخصم، وعلينا أن لا نتوقع بأن يسلمنا الغرب تكنولوجيا تصميم طائرة بدون طيار بكل بساطة، والحقيقة أن الغرب يبيع لنا السلاح ليس حبا فينا، وإنما لامتلاكه رؤوسا نووية، فما نفع مقاتلة ميغ 35 وصواريخ أر إس 24 أمام رأس نووي عابر للقارات والقوميات.

أي نظام تعليمي تريده هذه الأنظمة؟

حقا، نحن ما زلنا نتعلم من كتب لا تواكب مستجدات العصر، فعندما ندرس بلدا ما تزودنا كتب الجغرافيا والتاريخ مثلا بأحوال الطقس وعدد السكان والثروات الطبيعية لذلك البلد، لكن اليوم الوضع مختلف تماما فعلى هذه الأنظمة أن تدرس أبناءها مستوى ثقافة البلدان الأخرى وطاقاته العلمية وقدراته التقنية، أي علينا أن ندرسهم القدرات المدنية والحضارية الكامنة في الأمم الأخرى.

بالطبع يجب أن تقترن الأقوال بالأفعال، فتكاليف شراء مقاتلة ميغ مثلا أكثر بكثير من تكاليف شراء جرار وآلة حصاد وتوفير تقنيات المعلومات والأجهزة الطبية، فغالبا هذه الأنظمة تتوقع عدوا من الخارج والأحرى بها أن تعيد ترتيب الحسابات، والبحث عن عدو الداخل كالفقر والفساد والمحسوبية والرشاوي، وعندما نتساءل: هل نظامنا الصحي والتعليمي قد خصصنا له ميزانية وعتادا وآليات مثل منظومتنا العسكرية؟ عندها فقط نقول: عـن هذا النظام بأنه بدأ يتبنى مفهوما جديدا للأمن، ليس الأمن القومي فحسب، بل يتعداه إلى الأمن الصحي والغذائي وكل هذه الأمور تصنف ضمن استراتجيات الدفاع الوطنية.

ولا يمكن استبعاد قوة ما أسميه هنا بالأمن العلمي، فعلى هذه الأنظمة أن تتخلص من فكرة القضاء على أناس قادرين على التحليل والتفكير النقدي، وتفرض على الحكام والسياسيين وعلية القوم تدريس أبناءهم في المدارس العمومية لنضمن إصلاح قطاع التعليم، وأن تفرض عليهم العلاج في المستشفيات الحكومية لنضمن إصلاح الصحة، لكن ما دام كل هؤلاء يدرسون ويعالجون أبناءهم في الخارج فلا تعليم ولا صحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد