استقلت الجزائر بعد استعمار (استدمار) دام أكثر من قرن ونصف قرن، من محتل غاشم كان وقتها دركي العالم وكأقوى قوة عسكرية، هو الاحتلال الفرنسي تكاتفت أيادي كل الشعب الجزائري بالتعاون مع إخوانهم الأحرار في العالم بأسره خاصة ممن ينتمون إلى مدرسة القومية العربية في ذلك الوقت بعد ثورة تحريرية قادتها أياد جزائرية شابة كان ذلك بعد فشل كل أشكال المقاومات الشعبية ولحقها فشل المقاومة السياسية فكان لابد من ثورة شعبية منظمة تشمل ربوع الوطن.

قاد ذلك ثلة من الشباب الذين تربوا تربية إسلامية صحيحة في الكتاتيب أو جامع الزيتونة في تونس أو الأزهر الشريف بمصر نظموا أنفسهم وخطت أناملهم بيانًا خالدًا لا يزال من رموز دولة الجزائر الحديثة وهو بيان أول نوفمبر 1954.

نص هذا البيان على قيام ثورة شعبية مسلحة في ربوع الوطن من أجل قيام دولة جزائرية حديثة تنبني أسسها وفق المبادئ الإسلامية كما نصت عليه المادة الثانية من هذا البيان وتحقق استقلال الوطن رسميًا في 05 يوليو (جويلية) 1962 وكان لا بد من دحر كل ما هو فرنسي من الوطن المحرر وتسيير مؤسسات الدولة الحديثة بأيادٍ جزائرية حتى تتخلص الجزائر مما يربطها بهذا المستدمر.

وبما أن الاستعمار كان يهتم بتعليم أبنائه من المستوطنين وبعض أبناء الجزائر ممن تربط ذويهم علاقات حسنة بالمستعمر، بقي أغلب الشعب الجزائري ينخره الجهل فكان صعبًا على الجزائر الحديثة أن تستمر دون طبقة متعلمة تسير ما تركه المستدمر الفرنسي فكان لا بد من الاستعانة بأبناء الجزائر المتعلمين الذين تعلم بعضهم على قلتهم في بعض البلاد العربية أو الإسلامية وأغلبية ممن تعلموا على أيدي المستعمر الفرنسي سواء بالجزائر أو بفرنسا.

هذا الصنف الثاني من المتعلمين كان بداية لتسلل أبناء الوطن ممن يسمون الحداثيين أو التنويريين أو العلمانيين أو اللا دينيين إلى دواليب المؤسسات الرسمية للدولة بمختلف المشارب الفكرية المنتمين لها من شرقية ذات توجه شيوعي تروتسكي اشتراكي تقوده روسيا في المعسكر الشرقي آنذاك، وبين تيار غربي رأسمالي ينتمي للرأسمالية العالمية المتوحشة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

ونظرًا لخصوصية تسير الدولة الجزائرية الحديثة آنذاك بأن اتخاذ القرار يكون لأشخاص ذوي توجه ثوري والذين كان أغلبهم ذوي توجه إسلامي وطني لم تستطع هذه الكتلة من العلمانيين التأثير على القرار الرسمي داخل دواليب الحكم في الجمهورية وباءت كل محاولاتهم لتغيير التوجه العام للنظام بالفشل رغم تبني الفكر الاشتراكي مع بداية الاستقلال رسميًا إلا أن كل دساتير الجزائر في ذلك الوقت كانت صريحة في أن الدين الإسلامي هو دين الدولة وأن الاشتراكية طبقت في شقها الاقتصادي ولم يتطور مفهومها ليشمل جميع مظاهر الحياة، واستمدت في ذلك الوقت منظومة الجزائر التربوية روحها من ديننا الإسلامي الحنيف، وفشل العلمانيون في تمرير جل مشاريعهم رغم أنهم كانوا نخبة المجتمع في ذلك الوقت واستطاعوا إنشاء جمعيات سياسية سرية لتنظيم أنفسهم تسببت في سجن بعضهم وتضييق الخناق عليهم من قبل النظام الجزائري في ذلك الوقت.

مع بداية التعددية الحزبية ظهرت بعض قياداتهم في عدة أحزاب سياسية يلوحون ويميكجون وجوههم باسم: (الديمقراطية وحرية الرأي والمواثيق الدولية والحريات… إلخ) وشاركوا في أول انتخابات جزائرية نزيهة ونالوا نسبًا صفرية من الأصوات وأعادوا الكرة مع كل موعد انتخابي لكن في كل مرة كان يصفعهم الشعب الجزائري بتمثيل فئوي وجهوي محتشم جدًا.

كانوا يتقهقرون المرة بعد الأخرى وعزموا بعد ذلك على مقاطعة المواعيد الانتخابية لعدة سنوات فتراجع دورهم في المشهد السياسي ثم تراجعوا عن المقاطعة في انتخابات السنوات الأخيرة وأعادوا ترتيب أنفسهم فتسلل بعضهم في قوارب الشيتة نحو النظام.

استطاعوا في فترة وجيزة فرض وجودهم في مفاصل عدة أجهزة حكومية على غرار: (التجارة والتربية الوطنية، الثقافة، الإعلام والاتصال… إلخ) وبقي بعضهم يناضل بالطرق التقليدية وعمل على تشكيل لوبيات سياسية وإعلامية ومالية وحقوقية وحتى نقابية وبعضهم تسلق عن طريق الفساد المالي إلى قيادة بعض أحزاب السلطة وتهميش كوادر هذه الأحزاب وتمزيق بعض الأحزاب المناوئة عن طريق تغذية الانشقاقات فيها بكل الطرق باستخدام الترسانة الإعلامية الثقيلة التي أصبحت بأيديهم بعد فتح مجال السمعي البصري بالجزائر وتأسيسهم عدة فضائيات خاصة.

فعكروا اللعبة السياسية وكشروا عن أنيابهم وانطلقوا في محاربة كل ما يتعلق بالهوية الإسلامية وانطلقت خفافيشهم في وضح النهار لتحارب كل ما هو إسلامي بداية بمحاولة تقنين كشف المرأة عن شعرها أثناء إعداد بطاقات الهوية ثم العمل على إسقاط ركن الولي من عقد الزواج أثناء تعديل قانون الأسرة سنة 2005 ثم القيام بإصلاحات تربوية جذرية عن طريق ما يعرف إعلاميًا بلجنة بن زاغوا وذلك بطعن المدرسة الجزائرية في الظهر واتهامها بأنها مدرسة تخرج الإرهابيين وينبغي إعادة إصلاحها والتصدي لكل محاولات التخلي عن الفوائد الربوية في البنوك ونشر الرذيلة عن طريق بناء منتجعات سياحية ظاهرها السياحة وباطنها نشر الفسق في المجتمع بدواعي الاستثمار السياحي والدفاع عن الشواذ والمجاهرين بانتهاك حرمة شهر رمضان، ومحاولة دفع الجزائر على رفع تحفظاتها على اتفاقية سيداو (CEDAW) اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وتشجيع بعض الوقفات الشاذة عن مجتمعاتنا الإسلامية مثل (يوم الأحضان وشاطئ بدون ملابس، جماعات عبادة إبليس… إلخ) بحجة الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان وحرية المعتقد، هذا الغطاء الذي قهرت به الشعوب ودمرت كينونتها باسمه.

إن المحاولات البائسة لعلمانيي الجزائر من أجل تغريب هذا المجتمع أظهرت كرههم وحقدهم على الإسلام وهوية هذه الأمة وليس كما يدعون من أنهم لا دينيون، نسوا الديانات الأخرى وأصبح همهم الوحيد محاربة دين الله الحق الإسلام.

إن ما يحاربه علمانيو الجزائر هو كل ما يُمتن التماسك الأسري ويعزز الاستقامة الأخلاقية داخل هذا المجتمع ويحصنه من جميع أشكال السقوط والانحراف والاختراق حتى يصبح لقمة سائغة في فم الأعداء، كما أنهم يحاربون هذا التاريخ المشرف المتشعب والمترابط الحلقات مع شعوب أمتنا الإسلامية ومكوناتها، والذي ينبغي اعتماده كمكون أساسي ومهم جدًا لهوية أمتنا وضابط لانتمائها، فتاريخنا سواء البعيد أو القريب مستمد من رصيد وتجربة وفطرة الأمة الإسلامية وكل ما يقوم به علمانيو الجزائر محاولة بائسة للانسلاخ عن هوية هذه الأمة.

لذلك أضحى جليًا على كل غيور عن مقدرات هذه الأمة من أبناء شعبنا في الجزائر التحرك في الوقت المناسب مع كل شطحة لأبناء وطننا ممن ضل عقلهم وفكرهم مع جر هذه البلاد إلى مرآب الطاعة والولاء لللادينيين التابعين الخانعين لأعداء هذه الأمة من الصهاينة وعلى الجميع الوقوف وقفة واحدة في وجه ردة العلمانيين حتى ينصرنا سبحانه وتعالى، (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ* الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ) سورة الحج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد