السلام عليك، قبل أن تقرأ الإجابة أطلب منك أن تستمع لهذا المقطع: نافِذة. سيقربك قليلًا مما أود قوله، وسيمنحك الفرصة لتدخل عالمنا الفريد ولو للحظات ومن ثم تخرج منه.

يكره الكتّاب محبتهم للكتابة، عملية الكتابة هي عملية مؤلمة ومرهقة ولا تتوقف، قد تستيقظ من نومك لتكتب، وقد لا تنام كي تكتب، إن كانت الكتابة وظيفتك فصدقني ستعيش في دورات من الجمال والاكتئاب بشكل متواصل.

يكره من يكتبون عمليات خلق وعي موازي وحياة موازية يكتبون فيها وعنها، فيعيشون في انفصام مستمر حتى عملية الكتابة، يحبون كونهم كثيرًا وحياتهم الموازية تلك التي سرعان ما تحتل كل مواردك ووقتك في حياتك الحالية فتظن أن واقعك التخيلي هو الحقيقة، وأن واقعك الحقيقي هو محض الخيال، فتحاول دومًا الهروب إلى هناك حيث تجد شخوصك تتنفس، وأنك أنت ربان سفينتك، بعكس الواقع الذي يجري طحنك فيه حرفيًّا، فتملأ آلاف الصفحات عن هناك وتترك هنا صفحة بيضاء فارغة!

يكره من يكتبون موجات التبلد التي تصيبهم أحيانًا فيضطرون للبحث عن سبل للتحايل على ذلك، يراوغون الحرب، يهربون منه ويذهبون إليه طوعى مذنبين خاضعين، موجات التبلد تلك تصيبك بلوثات تنتهي فقط عندما تكتب، ومن ثم تعود إليك وتذهب، وهكذا.

الكتابة وحش خرافي جائع على الدوام، يسيطر عليه غضب أعمى، عليك أن تغذيه دومًا، تأتي إليه بأثمن ذكرياتك ليهرسها، تأتي إليه بتجاربك الماضية وتجاربك التي تمر بها وستمر بها، تحضر إليه وبين يديه ماثلًا كي يرضى عنك ويغض الطرف عما تود أن تكتبه، كل ما تسمعه وكل من يحاورك، وكل ما تشاهده، تحضره إليه ليرضى عنك، ولا يرضى، فهو جائع على الدوام.

يكره من تكون الكتابة حياتهم أنهم دومًا يكتبون، لا يتوقفون عن الكتابة، تشيب رؤوسهم وتتهدل أطرافهم ورسالتهم كما هي، تسيطر عليهم وعلى وقتهم وحياتهم، ينغمسون في الكتابة إلى الحد الذي ينسون فيه حيواتهم وأحباءهم، وكل ما يحيط بهم، ينسون ذلك كله ويستمرون في فخ الكتابة الذي يستنزف فعلًا كل مواردهم وأوقاتهم.

يكره الكتّاب في الكتابة روعتها وقدرتهم دومًا على محاولات إشباع الحرف، وتتوالى السنوات وهم يحاولون ترويض ذلك الوحش الجائع الغاضب؛ فيخترعون طقوسًا كي تساعدهم على ذلك، ويدمنونها ويظلون أسرى تلك الطقوس ويطورون فيها، في محاولة لإرضاء تلك الكتابة.

يكره الكتّاب في الكتابة شغفها التي تزرعه فيهم، فيبدون من بعيد مثل دون كيشوت، يطاردون طواحين هواء الحرف، ومن قريب يبدون تماثيل شمع في محاولتها للوصول لشمس الكتابة، فكلما بعدوا عن تلك الشمس اكتملوا من الخارج وتجمد داخلهم، وكلما اقتربوا منها أينعوا من الداخل وساحت أوصالهم وأجسادهم؛ ليصنع ذلك الشمع قصصًا وحيوات أخرى، فكأنهم أفنوا حياتهم في محاولة لإمساك تلك الشمس، وأكثر ما يكرهون هو شغفهم الدائم أنهم يومًا ما سيمسكون تلك الشمس قبل أن تذوب أجسادهم وأرواحهم.

يكره الكتّاب في الكتابة أنهم عليهم القراءة دومًا، عليهم دومًا أن يقتاتوا على شمع أجساد آخرين سبقوهم في الطريق، فأنت ترى أسمالًا وبقايا من مروا هنا، وكل مننا يظن أنه جدير بأن يكمل الطريق لنهايته، ومن ثم يصل لنقطة معينة ويصب ما وصل إليه ليكمل أخر، وهكذا لا نتوقف عن السعي ولا الذوبان في محاولة للوصول.

يكره الكتّاب في الكتابة إنتاجهم؛ إذ إنهم عليهم دومًا تطويره، عليهم دومًا أن يحسنوا منه ويطوروا حروفه، فيقضون سنوات قبل إنتاجه في محاولة للوصول للكمال، في محاولة للوصول لأفضل شكل سنذوب فيه لأحسن شكل يمكننا خلقه، فلا نتوقف عن المحاولة ولا نرضى أبدًا عما نصل إليه، أو نصل لشكل فريد من نوعه ولا نستطيع أن نكرره؛ فيصبح عقدتنا الدائمة التي تطاردنا، حيث يحفزك الآخرون أنك لن تستطيع فعلها ثانية، وتصدقهم وتكذبك الكتابة.

الكتابة لعنة تصدقك حينما تكذبها، وتكذبك حينما تصدقها فهي امرأة لعوبة وتقية في الوقت نفسه، متقلبة وهادئة، تراودك عن نفسك وحين تهم بها تصدك كرابعة العدوية، أو كراهبة في قلاية في قلب جبل في أقصى دير في سانت كاترين، الكتابة لعبة عندما لا تريد، وحياة قاسية وحرب ضروس عندما تريد التقرب منها، الكتابة بحيرة هادئة حينما تحب أن تبحر بأقصى سرعة، وشلال هادر عندما ترغب في بعض الهدوء لتصطاد سمكة وحيدة.

الكتابة نكرهها عندما تكرر نفسها، وعندما تصبح سهلة المنال تأتي لك طائعة وتصدق أنت ذلك حينها ستعرف أنك أجدبت، وأن بستان إبداعك نضب، الكتابة بئر في صحراء لا تتوقع أنك ستشرب منها على الدوام في أي وقت، الكتابة غراب طائر وهو في السماء ينقض عليك في خفة نسر، ويختفي منك في مهارة حرباء في بستان مساحته عقلك.

أخيرًا يكره الكتّاب الكتابة لأنهم لا يستطيعون التوقف عنها إن أرادوا، فتسيطر عليهم حتى تقلب الكفة، وعندما تقترب تشير إليك ماذا أحضرت إلي اليوم وهكذا، يكره الكتّاب عن الكتابة شيئًا واحدًا في كل مرة، ويحبون كل شيء عنها كل مرة يكتبون فيها.

أتمنى أن تكون إجابتي أفادتك ولو قليلًا، سأحدثها كلما وجدت الوقت لذلك، وكلما امتلكت مزيدًا من الشمع القابل للذوبان.

مودتي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد