بعد توحيد المطالب في الجُمعات الأولى من الحراك، من رفض لعهدة خامسة إلى مُحاكمة رجال السياسة والمال، حدث ما كنّا نخشاه سابقًا، فالانشقاق في الرؤى، لا سيما في الطرح الجوهري، ألا وهو الاستحقاقات الرئاسية، هو ما يمّيز الشارع الجزائري في هذه الفترة العصيبة، فيواصل الحراك الرافض لهذه الانتخابات، واصطدامه بالحراك المضاد المؤيد للسلطة، انعكس بالسلب في سيرورة الحملة الانتخابية بشكلها الطبيعي والمُعتاد عليه، إذ عرفت بعض المناطق توترًا وأجواء مشحونة خلال زيارات المترشحين لها قصد عرض برامجهم، فهل هذه هي صور الديمقراطية التي تعالت لها الأصوات؟

حتى الآن كل الأمور تسير وفق أطر دستورية؛ فالسلطة الحالية تعكف على إنجاح العرس الانتخابي بكل نزاهة وشفافية، فاستحداث لجنة مستقلة لمرافقة ومراقبة الانتخابات لخير دليل على حسن نيّة الحكومة، ضف إلى ذلك إصرار والتزام المؤسسة العسكرية بضمان الحيادية وحماية الشعب في اختياراته، فلم كل هذا التخوف مع وجود هذه الضمانات؟ خاصة وإنّه لأول مرة في تاريخ الجزائر يصعب التنبؤ بهوية الرئيس القادم.

يتوجس أصحاب الحراك من المترشحين أنفسهم، فهم يرون فيهم تمديدًا لعهدة أخرى لنظام ما زال متجذّرًا في مختلف الهيئات والمؤسسات، صحيح أنّ هؤلاء المترشحين الخمس كانوا جزءًا من النظام السابق، لكن المراقب للشأن الجزائري يُلاحظ غياب الأفلان الحزب الحاكم لعدّة عقود من هذه اللعبة السياسية، فهل بدأت ملامح التغيير تتجسد؟ أم أنّ النظام غيّر ثوبه إلى حزب آخر؟

إنّ إصرار البعض على مُقاطعة الانتخابات، وعدم الاعتراف بشرعيتها، والمطالبة بحكومة انتقالية، يعكس نيّة غير سليمة تتربص بالبلد، فقد تقدم للترشيحات العشرات من الأشخاص الأحرار، فلِمَ لم  يزك أحدهم ويقدم ممثلاً للحراك ويُنتخب رئيسًا؟ الأمر يوحي بأنّه هناك من يريد إطالة عمر الأزمة، وإشاعة الفوضى بإيعاز خارجي.

لطاما كانت الجزائر في صف المحور الشرقي طيلة عشرين عامًا؛ فالصفقات العسكرية مع روسيا، والمشروعات الاقتصادية الكبرى مع الصين، زد على ذلك موقف الجزائر خارجيًّا إزاء القضايا الشائكة، فمن محايدة تارة، إلى تأييدها الصريح، كالقضية الفلسطينية وعدم التطبيع، والوقوف إلى جانب كل من الحكومة السورية والإيرانية، إلى رفضها المشاركة في التحالف العربي ضد اليمن تارة أخرى، الأمر الذي أزعج المحور الغربي، والذي تقوده كل من الولايات المتحدة، وإسرائيل، وفرنسا، فمن المعروف أنّ هاته الدول هي من هندست الثورات العربية، من أجل حماية مصالحها ببسط أنظمتها الرأسمالية، وذلك بدعم المعارضة وتخوين السلطة، وهذا ما نحاول تفسيره فيما يحدث عندنا، فكلّ الشكوك تحوم حول تدخّل أياد فرنسية في الشأن الجزائري، وذلك بعد تضييق الخناق على مصالحها الاقتصادية، وتقويض أجنحتها في الداخل، فها هي تحتضن دعاة الفتنة والتفرقة، وتدعمهم من خلال منظمات وهيئات تحت شعار حماية الأقليات و حقوق الإنسان، إذ بلغ الأمر إلى اتهام الجزائر في إحدى جلسات البرلمان الأوروبي بقمع حريات التعبير والتظاهر، ومحاولة إجهاض المسيرات، لكن نطرح التساؤل في هذا الصدد، هل هاته الانتهاكات الذين يتحدثون عنها في الجزائر أم في فرنسا؟

فقمع التظاهرات تشهده شوارع باريس أسبوعيًّا في قضية ما يُعرف بالسترات الصفراء، وما ينجر عنه من جرحى في صفوف الطرفين، وأعمال تخريب للممتلكات أمام صمت الجميع، عكس شوارع مختلف ربوع الوطن، والتي لم تسفر المسيرات السلمية فيها عن سقوط قطرة دم واحدة، فلم التدّخل الأوروبي في الشأن الجزائري، وحريّة التعبير تُنتهك في كل من فرنسا، وبلجيكا، وإسبانيا؟

إنّ أعداء الخارج أكثر وأخطر من الداخل، لذا وجب على المترشحين تقديم برامج واقعية بعيدة عن الشعبوية، وطرح حلول ناجعة لإخراج البلاد من أزمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما يتحتّم علينا جميعًا الالتفاف حول الشرعية الدستورية، وترك خلافات الهوية، فالصندوق هو أفضل ما نملك الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد