خلال مرحلة التقليص الحكومي الأخيرة، أو ما يصطلح عليها تجاوزًا بالتعديل الحكومي، وخلال فترات كثيرة مضت من تاريخ المغرب السياسي، لم يعد سؤال «ما معنى أن تكون سياسيًا في المغرب؟» ذا معنى، بل بات السؤال المطروح؛ هل أصبح للسياسي في المغرب أي معنى؟

إن ذات السياسي الذي يشكو غياب الديمقراطية وتراجع منسوب حرية التعبير هو أول من يخرق هذه الديمقراطية داخل أروقة حزبه، وهو أول من يُجهز على قراراته الداخلية، وهو السياسي نفسه الذي يصدح بإحقاق المساواة والانتصار لقضايا المرأة في الوقت نفسه الذي يسيء فيه إلى المرأة بجعلها مجرد تكملة نصاب أو ديكورا يؤثَث به المشهد، ذلك إن لم يُقصها بالمرة.

أن تكون سياسيًا في المغرب يعني أن تملك القدرة على جمع ما لا يُجمع؛ أن تكون سياسيًا في المغرب يعني أن تملك القدرة على تلقي التعليمات بنفس قدرتك على الحديث عن استقلالية القرار الداخلي.

أن تكون سياسيًا في المغرب يعني أن تملك القدرة على تبرير قرار لا يُعرف من اتخذه وإضفاء الشرعية عليه والتبرير له.

أن تكون سياسيًا في المغرب يعني أن تكون على رأس السلطة التنفيدية لتستيقظ فجأة يوم الفاتح من ماي بقبعة النقابي وتدعو – باعتبارك «شغيلا» – نفسك – باعتبارك رئيسًا للحكومة- وتحتج على نفسك وترفع الشعارات ضدك، لتستيقظ في اليوم الموالي، وتستمر في اتخاذ القرارات اللاشعبية من موقعك الحكومي.

أن تكون سياسيًا في المغرب يعني أن تُنصت إلى خطاب ملكي ينتقد رجال السياسة، وتكون أول المثمنين والمهنئين والمتفقين شكلًا ومضمونًا مع منطوق الخطاب، وكأن ما جاء في الخطاب يتعلق بسياسيين من كوكب آخر.

أن تكون سياسيًا في المغرب يعني أن تقبل المشاركة في حكومة والدفاع عن منجزاتها وتحمل مسؤولية إخفاقاتها مقابل مقعد وزاري يتيم.

أن تكون سياسيًا في المغرب يعني أن تقتل الأيديولوجية حينما ينبغي لها أن تموت وتحييها فجأة حين يصبح لحياتها معنى براجماتيًا.

أن تكون سياسيًا في المغرب، وأن تصير لحسن حظك أو لسوء حظنا وزيرًا، يعني ذلك ألا تتواصل نهائيًا، وإما أن تتواصل إلى حد اللا تواصل.

أن تكون سياسيًا في المغرب يعني أن تحذف منشوراتك حول خصمك السياسي، الذي أصبح شريكك في الحكومة، ساعات قبل استوزارك.

أن تكون سياسيًا في المغرب يعني أن تتجاهل قدر حجمك الحقيقي وتنتج خطابًا أكبر من واقعك وأعرض من قاعدتك الشعبية.

وقد يقضي السياسي سنين طويلة في العمل السياسي دون أن يتعلم شيئًا، خاصة إن تعلق الأمر بمن وجد نفسه سياسيًا بالصدفة، أو جيء به لغرض مجهول معلوم، هذا السياسي الذي قد يسهو يومًا، ويخطئ تقدير الموقف، ويدلي بتصريح غير مسؤول، قد تكون نهايته على يد آخر وزارة ترأسها. فالسياسي الذي يتحرك بجهاز تحكم لا يمكن لمن يُحركه أن يقبل يومًا أن يتحدث دون إذن منه.

إن قواعد الممارسة السياسية بالمغرب، في حدود السقف المسموح به، لا يمكن لها أن تنتج حتى خطابًا سياسيًا معقولًا، فبالأحرى أن تنتج ساسة معقولين.

موت السياسة بالمغرب قد دفع في اتجاه القول بأحقية التكنوقراط في الاستوزار، والحال أن المشكلة ليست في السياسة، بل في السياسيين الذي ابتلينا بنا بهم والمساحة التي تُركت لهم وقبلوا بها. فالسياسي هو الأصلح قطعًا، والتكنوقراط ينبغي له أن يشتغل تحت إمرة السياسي، لأن الأمر يتعلق بتدبير شأن دولة لا بتسيير شركة، لكن نوعية السياسيين الذين جربناهم أو جَربوا فينا ممارسة السياسة، أو أولئك الذين جُربوا فينا، هو ما دفع البعض للكفر بالسياسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد