أنا سوري، أظن أن هذه العبارة كافية لتعلم أنني ربما أكون في السويد، أو ألمانيا، أو مصر، أو الكثير من الدول التي لجأ إليها السوريون للنجاة من المأساة الموجودة في الداخل السوري، والتي جعلت السوري تحت الأنقاض، أو غارقًا في البحر الأبيض المتوسط وهو يحاول العبور إلى أوروبا، أو يقبع في أحد السجون ليجري استجوابه واستخراج ما في أحشائه، أو إخراج أحشائه نفسها. أصبح السوري في هذا الزمان من الشعوب التي تتوافد إلى مقرات المفوضية ومنظمات الدعم للاجئين، فاللجوء هو الشيء الكثير من مشاعر مأساوية، وتاريخ مشرق، إلا أنه أظلم على أهله.

أن تكون لاجئًا يعني أن تحمل كمية مشاعر محبوسة في داخل قفصك الصدري، مشاعر للأيام التي ذهبت ويئست من أن تعود هذه الأيام، أيام اللمة العائلية والجلسات الجميلة عند اجتماع الأب والأم والجد والجدة، واجتماع العائلة بأكملها، وخاصة في الأعياد، وفي عيدي الفطر والأضحى، وأن يأتي عليك رمضان شهر الخيرات لتبدأ العزائم تأتيك من كل حبيب وقريب وصاحب، ثم تصحو لترى نفسك وحيدًا، ليس من أحد يؤنس وحدتك، ويداري سوأتك، وسيأتي عليك العيد لتنام اليوم كله ولا تصحو مبكرًا؛ كي لا تتذكر أنه ليس من أحد لتذهب لزيارته أو يأتي لزياتك؛ فأنت في بلاد لا تعرف فيها أحدًا، وإن عرفت فكل مشغول بأقاربه وأحبائه، وأنت وحدك لاجئ.

أن تكون لاجئًا يعني أن تشعر طوال الوقت بأنك مواطن درجة ثانية، بعد ابن البلد مواطن الدرجة الأولى، والذي له الكثير ولك القليل، وتخشى حتى الدخول في أي نزاع مع أحدهم، فمن يأخذ لك حقك ويساويك بمواطن الدرجة الأولى، فهو له الدوائر الحكومية، والمناصب، ونقابات المعلمين والمهندسين، وإلى آخره من حقوق وواجبات، وأنت لك أعمال الحدادة، والنجارة، والحلاقة، وقد تضطر أن تعمل بالخفاء لمنع الدولة اللاجئين العمل في بعض المجالات والتضييق عليهم في بعض الأعمال الحصرية.

أن تكون لاجئًا يعني أن تتعايش مع ثقافات جديدة، وعادات جديدة، تقول العرب «من عاشر القوم ٤٠ يوم صار منهم» فكيف من عاش سنين طوال ونحن الآن في عام ٢٠١٩، وهذا ما يجعل نفسك نصفين؛ نصف يعيش مع ما هو عليه، ونصف مع الماضي لا ينفك عنه، وخاصة إذا كنت في دول غير عربية؛ فهم لا يتحدثون العربية ويؤمنون بالمساكنة بين الرجل والمرأة، والكثير من العادات التي لا يقبلها السوري في بلده ووضعه الطبيعي، غير أن السنين الطوال تجعلك تتقبل الكثير بغير إرادتك.

أن تكون لاجئًا يعني وجودك في أحد المخيمات التي مات فيها أطفال من البرد، فلا سقف يظلك، ولا أرض مزفتة تحميك، ولا غطاء كاف حولك يغنيك عن برد الليالي وسوء الأحوال الجوية، وأن تنتظر المساعدات اليومية والمعونات الشتوية، والأدوية الأوروبية والعربية محملة على ظهر شاحنات اللاجئين والمشردين.

أن تكون لاجئًا فأنت قصة بحد ذاتها، قد تستهوي الكثيرين للكتابة عن مأساتك وهمك وما حدث لك، كما هو الحال مع رواية البؤساء للكاتب فكتور هوجو، أو الكثير من الروايات التي تصور الظلم الحاصل على هذه الأرض للاجئين، ومفقودين، ومظلومين، ومكلومين، ومجروحين، ولربما تحوز اهتمام منتجي الأفلام لإنتاج فيلم جديد على أنقاضك وعلى فتات عظامك، كما هو الحال مع فيلم «سبارتاكوس Spartacus» الذي حكى لنا مأساة العبيد في الإمبراطورية الرومانية، ومحاولتهم لنيل الحرية والتخلص من جور الأسياد وحكم العنصريين، فكل فيلم وكتاب ورواية ومسلسل يوجد جانب من الواقع والحقيقة التي تحفز خيال الإنسان للإبداع والإنتاج والكتابة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد