تذبذبت مراحل الحياة السياسية في الأردن منذ نيل الاستقلال عام 1946، وشهدت الحياة الحزبية على وجه الخصوص حالة من المدِّ والجزر بين مؤسسة العرش والأحزاب السياسية، هذه الأحزاب ذات الأيديولوجيات المختلفة عارضت بصورة متفاوتة إدارة الدولة لملفات كان أبرزها الاقتصاد والعلاقة الأردنية الإسرائيلية، إضافة لعدم التشاركية وغياب التمثيل الحقيقي للأحزاب في مجلس الأمة، تعقدت الأمور حين فرضت الأحكام العرفية حتى أصبحت الأردن دولة بوليسية، ونتيجة للسخط الشعبي لما آلت إليه الأوضاع شهد الأردن عام 1989 ما عرف بـ(هبة نيسان) التي أسقطت حكومة الدكتور زيد الرفاعي آن ذاك، وعادت على أثرها الحياة السياسية في الأردن.

الفرجة السياسية الحاصلة لم تكن كالمتوقع؛ فالحياة الحزبية في الأردن اليوم لا تعدو أكثر من ملهاة يتناقلها الساسة في المحافل الدولية أو على منابر الإعلام لإضفاء شرعية على الحياة السياسية الغائبة حقيقة والحاضرة شكلًا، أما شباب الجيل ما بعد الأحكام العرفية فقد ظل ينظر للسياسة بأنها إحدى المحرمات الثلاث كما معظم الشباب العربي التي قد تؤدي بمن يقترفها إلى جحيم الزنازين والنفي والغياب القصري، وبالرغم أن مساحة التعبير عن الرأي لا تقارن بالدول الغربية، إلا أن الأردن يعتبر في محيطه العربي واحة للأمن والاستقرار وحَفِظَ حق التعبير، وإن كان للحرية سقف منخفض، لكنها إذا ما قورنت بمصر أو سوريا أو معظم الدول العربية، فسنراها حرية ذات سقف عال.

لقد تربى الشاب الأردني على جملة (الحيطان لها آذان) وهو ما جعل الشباب اليوم يتجنب الخوض في أي حديث يلامس مضمونه السياسي، والحياة الحزبية ليست إلا جزءًا من هذه العقلية التي تربى عليها الشباب وهذه الذاكرة التي أورثها الآباء لأبنائهم؛ فاليوم نرى بحسب الإحصاءات أن 30 ألف شخص فقط هم من ينتسبون للأحزاب البالغ عددها أكثر من 50 حزب، وهو رقم ضئيل جدًا إذا ما علمنا أن عدد سكان الأردن يتجاوز الـ10 مليون نسمة.

فلماذا هذه القطيعة بين الشباب والأحزاب؟

يرجع السبب الرئيس كما قلنا إلى الحالة الذهنية التي تتشكل لمجرد ذكر العمل السياسي فهو مرتبط بشكل لا يفسر بالسجن والاعتقال والحرمان من الحقوق والامتيازات، رغم أنها قد تكون حالة ذهنية تشكلت نتيجة الأحداث أو الدراما التي نقلت صورة الدولة العسكرية دولة تكميم الأفواه وتكسير العظام، في حين لم يعرف الأردن منذ تأسيسه بدموية الدولة أو أجهزتها أو أي أشكال اضطهاد عاشه الأردنيون بخلاف المصريين أو السوريين على سبيل المثال، غير أن الظروف التي مرت بها المنطقة العربية من ثورات وحركات تحررية انتهت – إذا ما استثنينا التجربة التونسية – نهايات مأساوية بدلًا عن تحقيق مطلب الحرية وصون الكرامة، ورأينا الوضع يتدهور بصورة أكثر بشاعة والقبضة الأمنية أصبحت أكثر إحكامًا حول رقاب الشعوب؛ مما صدَّر صورة سلبية لدى المجتمعات العربية وألقى بظلاله عليها، ومنها المجتمع الأردني.

هنا يحضرني موقف شخصي في المرحلة ما بين بداية الربيع العربي ومؤشرات نجاحاته إلى ما تبعه من ثورات مضادة أعادت الصورة القاتمة لنفوسنا، فلا أخفي أني في مرحلة ما أردت أن أكون أحد الفاعلين في السياسة الأردنية مشحونًا بتصريحات الملك وتأكيده على ضرورة تفعيل دور الشباب وانخراطهم في الحياة السياسية وتُرجمت هذه الرغبة إلى تقديم طلب للانتساب لحزب البعث العربي الاشتراكي، لكن سرعان ما تراجعت وتوقفت عن المضي في إجراءات الانتساب؛ وسبب تراجعي أنا وكثير غيري عن خطوة الانضمام إلى أي حزب، أو الانخراط في أي نشاط سياسي إلا على استحياء عائد إلى الحالة الإقليمية التي جعلت السياسة خطًا أحمر يجعل من يقترب منه في دائرة الشبهة، وقد يترتب دفع ثمن باهض، كما أن مآلات القرار على المستوى المحلي قد تكون وخيمة؛ فمن ينتسب لحزب لا يوظف في الدوائر الحكومية ولا يسمح له بالانخراط ضمن المؤسسات الأمنية والعسكرية، ولا يحق له التقديم لأي من المنح أو البعثات الخارجية في أغلب الأحيان، كما أنه سيبقى في دائرة الشك، ودائرة المساءلة، وتحت عيون الأجهزة الأمنية، فهو دائم الخوف والتردد، إضافة إلى أن المنضمين لأحزاب لها ثقلها التاريخي ومعروفة بنضالها ضد الاستعمار والمخطط الأمريكي الغربي سيجعل السفر إلى أي دولة خارجية أمرًا صعبًا.

فالحقيقة لا أعلم إذا كانت هذه المقالة تنضوي على المحرمات التي لا يجدر بك لمسها أو التفكير بها حتى، فقد تشكلت فكرة أنه طالما أنك تلقي باللوم على الأوضاع الخارجية وشماعة المؤامرة فأنت في مأمن، أما إذا ما أبديت حماقة، وفكرت بالأسباب الحقيقية فأنت مجرم، وإذا ما فكرت بالكتابة بها فأنت مجرم صغير، لكن في حال قررت أن ترفع صوتك وتطالب بالتغيير عندها أنت صاحب أجندات خارجية ستقبع في ظلام السجون.

لا شك أن الأردن شكَّل واحة من الأمن والاستقرار، واليوم الأردن يتفوق على غيره بحرية التعبير والمعتقد والتوجه الفكري والتدين فكل هذه الأمور في كثير من دول عربية غير الأردن جريمة يحاسب عليها القانون، أما الأحزاب فلا يزال عملها يقتصر إما على النقد الفردي وغياب البرامج الحقيقية وعدم المقدرة على جذب فئة الشباب، خصوصًا وإقناعهم بالانخراط بالأعمال السياسية وعدم التاثير بالمواطن الذي لو سالته عن دوره في الحياة السياسية ستسمع منه سخرية ممزوجة بالأسف على احتكار كل ما في الأردن حتى السياسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد