«إن باحثًا مدققًا إذا أراد أن يعرفَ أين تموتُ اللغة العربية؟ وأين تحيا؟ لوجدها تموتُ في كلِّ مكان، ووجدها تحيا في هذا المكان». هي كلمةٌ قالها الشيخ «محمد عبده» في حق كلية دار العلوم، حين كانت تنافسُ الأزهر الشريف في ميادين اللغة والأدب، والشعر والنحو والبلاغة.

من أبناء دار العلوم: الشاعر علي الجارم، وعلي عبد الواحد الوافي، وحسن البنا، وسيد قطب، ومحمد ضياء الريس، وعبد الصبور شاهين، ولكلٍّ منهم إنتاجٌ أدبي وفكري جديرٌ بالدراسة والقراءة.

يدورُ الزمانُ بدار العلوم وتُقيم حفلًا غنائيًّا لأحد المطربين الساقطين! فما الهدف من إقامة هذا الحفل في دار العلوم بالذات؟ وما الهدف من نشر صور طلاب وطالبات دار العلوم وهم يرقصون ويصيحون كما يفعل أبناء الشوارع في مناطق مصر العشوائية؟

على منوالها كلية طب القصر العيني! حفل غنائي صاخب في طب القصر العيني، وهي واحدة من أقدم وأعرق كليات الطب في الوطن العربي، «تأسست عام 1827م» ثم تُنشر صور أصحاب المعاطف البيضاء وهم يرقصون كما يرقص الحثالة والرعاع والغوغاء في حفلاتهم وأفراحهم!

ثم مقاطع الرقص أمام اللجان الانتخابية، التي أصبحت من سمات الانتخابات المصرية، وجعلت الغواة في الوطن العربي ينتظرون الانتخابات في مصر، ليس اهتمامًا طارئًا بالسياسة؛ ولكن للاستمتاع بكرنفال الرقص السياسي.

ثم في احتفالية نادي الطيران بالأم المثالية تمنح لراقصة! وقد تكون الراقصة أُمًّا مثالية في نظر أبنائها، وهذا من حقهم، ولكنها ليست بأمٍ مثالية للكثرة الغالبة في جموع الشعب المصري!

يبقى السؤال: هل رقصَ جميع طلاب دار العلوم وطب القصر العيني؟ هل رقصت جميع النساء في مصر؟ هبْ أنك رأيتَ ألفَ حالةٍ، فما تكون الألف؟! مصر بها 100 مليون نسمة، هبْ أنّ فيهم مليون ساقط وساقطة، فكم تبلغ نسبة المليون في 100 مليون؟

تمثل 1% من جموع الشعب المصري، ولكن الآلة الإعلامية الخبيثة تسلط الأضواء على 1%، وتتغافل عن 99%، حتى يُخيل للمراقب أن الأصل هو الانحراف والسقوط!

فما هدف النظام المصري من نشر مقاطع الرقص والانحراف في الجامعات والشوارع؟ ما الهدف من إظهار القشرة الظاهرية الخبيثة وكأنها لُحمةُ الشعب المصري وسُداته؟ ما الهدف من نشر أخبار الدعارة والاغتصاب؟

الهدف هو تفسيق المجتمع وتمييعه، وإفساد الشباب وتضييعه، وهي معادلة سياسية يعرفها الطغاة منذ فرعون الذي «اسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ». تفسيق الشعب وإفساد أخلاقه هدف لكل طاغية يريد أن يستخف شعبه ومواطنيه، ولا يملك الطاغية أن يفعل بالجماهير هذه الفعلة إلا وهم فاسقون، ومن هنا يعلل القرآن استجابة الجماهير لفرعون فيقول: «فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ».

أما الهدف الآخر والأهم فهو قطع الطريق على المصلحين والدعاة، وإحباط مساعيهم، وإلقاء اليأس في قلوبهم، حتى يقولَ قائلهم: هذا الشعب لا خير فيه ولا أمل منه، ويقول آخر: شعب يستحق ما حلّ به من هوان. ويعلم الله أن الشعب بريءٌ من كل دنسهم ورجسهم، ولكنها قشرة ظاهرة خبيثة وضعوها عليه قهرًا بالدبابة والسلاح.

أليس هذا هو الشعب الذي اختار الإسلاميين في خمسة استحقاقات انتخابية؟ أليس هذا هو الشعب الذي خرج في مظاهراتٍ بالملايين لإسقاط الانقلاب؟ على الرغم من الضرب في المليان، والقتل في الشوارع، والتعذيب في السجون ولمدة حولين كاملين، وكان مستعدًا للاستمرار لولا خيانة النخب وتخاذل القيادات؟

ماذا فعل الشعب السعودي والشعب الإماراتي حتى الآن رغم خيانة وعمالة الأنظمة والحكومات؟ صمتٌ كصمت القبور. بينما تسمع المصريين في وسائل الإعلام الفضائية والإلكترونية يعارضون النظام الحاكم أشد المعارضة، وينعتون رأسه بأقذع الأوصاف. ألم يخرج طلاب وطالبات الثانوية العامة في مظاهرات حاشدة بالأمس القريب؟ فلا تيأس ولا تقنط ولا تبتئس، فالأمة ما زالت حية، وقادرة على العطاء.

لا يحسَب القَومُ أن العُرْبَ قد عَقِمُوا ** شَعبُ العُروبةِ للأبْطالِ ولاَّدُ

ما زال فينا لعَمْروٍ، وابنِ حَارثةٍ ** وخَالدٍ، وصلاحِ الدينِ أندادُ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد