قضيت الأسابيع الماضية في إجازة صيف على ساحل البحر في أحد شواطئ الإسكندرية، وعادةً تكون الإجازة للاستراحة والتقاط الأنفاس من تعب ومجهود العمل وضغوط الحياة المختلفة، وكان معي في إجازتي تلك عدد من الأصدقاء الجُدد، وهي مجموعة من الكُتب والدراسات التي أجلت قراءتها لتلك الإجازة، وهي:

(هل انتهى القرن الأمريكي لجوزيف س. ناي، وعملية صنع القرار في إسرائيل وتأثير المؤسسة العسكرية فيها، وسياسة إسرائيل النووية وعملية صنع قرارات الأمن القومي بها د. محمود محارب، العصر النووي الثاني لبول براكن (والدراسة تضع تصور أولي شبه واقعي لاندلاع حرب نووية في الشرق الأوسط تنخرط فيها أطراف عدة أهمها إسرائيل من جهة وإيران وخلفها سوريا وحزب الله، وربما تورطت أمريكا وروسيا، إذًا ما هي حدود اللعبة؟ وما هو رد الفعل الإيراني على تفجير نووي على علو منخفض فوق طهران؟).

وأعترف باستفادتي من كل ما قرأت، ولكنى اليوم قررت أن يكون موضوعي الأول بالحديث عنه هو الشأن المصري، الذي يجمع بين الحزن حتى الآسى، وتصاعد الضيق حتى الغضب، وفقدان القدرة على التعبير خصوصًا في ظل حالة القهر التي يعيشها الشعب المصري على كل المستويات؛ مما سبب حالة من الصمت العاجز يُسمع أنينها في كل لحظة، وعلى الرغم من أني كتبت مقالات عديدة عن الشأن المصري كان آخرها مقال بعنوان: (ملاحظات على الوضع المصري الصعب.. كيف تصرف عبد الناصر مع قرارات زكريا محيي الدين الاقتصادية؟).

إلا أنني اليوم أريد أن أنظر للموضوع نظرة متفحصة أحاول فيها أن أبتعد عن الأحزان والأشجان والغضب والدموع والقهر والعجز، إننى أحاول اليوم أن أتخطى سماء القاهرة التي أصبحت ملبدة بالغيوم وأستشف ما وراءها.

ولى كلمة عارضة في حديثي اليوم قبل أن أدخل إلى عُمق الموضوع، أن بشارة المستقبل لذلك البلد لن تأتي إلا بعد أن نتخلص في الحاضر من كراكيب الماضي، وعلى رأس هؤلاء من يدعون أنهم رموز، هؤلاء الذين لم يستطيعوا أن يحافظوا على حاضرهم وأضاعوا مستقبلهم، ويجيئون اليوم ليلعبوا دور الأوصياء على حاضرنا ومستقبلنا.

الجنرالات ليسوا معصومين من الخطأ، وعندما يضع الجيش النجوم للجنرالات، لا يصرف لهم الحكمة معهم. *الجنرال تومي فرانكس قائد القيادة المركزية الأمريكية الأسبق.

  • في أواخر عهد مبارك ظهر للجميع أننا أمام قيادة عجوزة وعاجزة غاب عنها الموت، دون أن تكون قادرة على الحياة. وظهر أن رأس النظام (مبارك) يُشبه أحد التماثيل في متحف الشمع، وأن تلك السُلطة مستمرة بقهر الأجهزة الأمنية التي تضغط على الشعب بالقبضة الحديدية.
  • وفي نهاية عهد مبارك بدا أن تحالف السلطة القائم منذ عهد الرئيس السادات يدخل عليه عنصر جديد وهو الشاب الوريث (جمال مبارك) وزمرته ويلاحظ أن كلهم من أبناء البيزنس القائم على فكرة الصفقات.
  • إن عهد مبارك تحول من نظام سياسي ل أوليجاركية (تحالف عناصر مال وسلطة سلاحها القمع الأمني)، وكان فيما بدا أن عين المؤسسة العسكرية ترى وتلحظ أن المجتمع المصري أصبح أقوى من سلطة حكمه رغم عنف و قسوة أجهزة الأمن فيه. ومن ثم تحوطت للانفجار الذي أصبح مُحتمًا أن يحدث.
  • إن ذلك كله ضايق المؤسسة العسكرية وعلى رأسها وقتها رجل معروف عنه تمسكه بالتقاليد العسكرية المصرية الراسخة وهو المُشير (طنطاوي)، وقرأنا في وثائق وكيليكس عدم رضائه عن كثير من أفعال رجال نجل الرئيس (الوريث المنتظر). ولعل ذلك كان الخلاف الأساسى بين شباب يناير والمجلس العسكري فيما بعد ثورة يناير، فبينما يقول شباب الثورة إننا قمنا بثورة يجب أن تُحدث عملية تغيير شاملة، فإن المجلس العسكرى كان يرى ما حدث في يناير طلبًا لعملية إصلاحية جوهرها وقف عملية التوريث.
  • إن خروج مبارك بتنحيه لم يكن بالأمر الهين على المؤسسة العسكرية، وخصوصًا أن تلك المؤسسة بطبيعتها مؤسسة ثبات وانضباط ترفض التغيرات الدراماتيكية، ومن ثم الثورات، وذلك ما سمعناه بعد فترة من تولي الرئيس السيسي للحكم من رفضه لتلك الثورات وحديثه عن أنها تسبب الفوضى.
  • ولعل ما أزعج قوى الثورة المضادة ومن يتعاونون معهم، أو لنقل من يحركونهم من القوى الكبرى في الخارج، أن السلطة انتقلت من قصور الحكم إلى ميادين الثورة، وصنع القرار خرج من يد الحكام وحاشيتهم وأصبح في يد الجماهير العريضة.

  • وعندما جاء الإخوان للحكم قاموا بأخطاء تاريخية تُظهر أن ذلك الفصيل السياسي مشبع من يومه بحب السلطة وبرغبته في الاستئثار بها، وكان محتمًا أن يصلوا لطريق مسدود مع معاداة الجميع لهم، لنصل لمظاهرات 30 يونيو (حزيران)، وليكرر الإخوان مقولة تشرشل (حُكم على أولئك الذين لم يقرأوا التاريخ أن يكرروا التاريخ ذاته).
  • وعندما قرر الرئيس السيسي الخوض في تجربته واختيار طريقه ظهرت التناقضات بين تحالف 30 يونيو التي تم سترها والتغطية عليها من أجل إزاحة الإخوان المسلمين وحلفائهم . فقد تصور المدنيون في التحالف أن الأمور بعد إزاحة الإخوان ستكون شراكة من نوع ما يمكن من خلالها إعادة تركيب وضبط الدولة المصرية (هذا إن استبعدنا الطموح الشخصي للبعض، ولا أقول مطامعه).

ولكن بعد الانتصار، وإزاحة الإخوان ضعُف التحالف، وبدأت التشققات تظهر على جسده، ولاحت بوادر التناقضات بين أطرافه في مواقف عديدة.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، و‏‏نظارة شمسية‏‏‏

  • وبدا أن الرئيس السيسي هدفه تثبيت الدولة المصرية التي تضعضعت أركانها وضعفت قوائمها واهتزت شرعيتها وذهبت هيبتها. حتى ولو كان ذلك على حساب الإنسان ذاته، ولعله نفس فكر جوزيف ستالين في الاتحاد السوفيتي البائد، ولكن ستالين كان له مبرره؛ فقد كان يفعل ذلك وهو متحسب للثورة المضادة التي يراها تتحرك ضده على شاطئ الأطلنطي (الولايات المتحدة الأمريكية) وبجواره أوروبا متحينة الفرصة للانقضاض على الثورة الشيوعية والقضاء عليها في مهدها ومعقلها. وحتى سياسة ستالين القمعية الدموية لم تستطع المحافظة على إمبراطورية الشر كما كان يقول عنها تشرشل، من التفسخ والسقوط في النهاية كمتعبد ركع على ركبتيه.
  • ولعل ذكر المشهد الختامى لسقوط الإمبراطورية السوفيتية يكون مفيدًا لمن يريد أن يفهم ويتعظ بحكمة التاريخ. وحسب ما رواه ديفيد هالبرشتام في مرجعه الممتاز (حرب في زمن السلم).. بوش و كلينتون والجنرالات أنه في نهاية عام 1991 جاءت هدية عيد الميلاد للرئيس بوش الأب حينما اتصل به آخر الرؤساء السوفيت ميخائيل جورباتشوف ليقدم له تمنياته الطيبة، ويبلغه بأن:

 الاتحاد السوفيتي لم يعُد موجودًا، ويزيد جورباتشوف وصوته متهدجًا ومشاعره ثائرة ودموعه تكاد تسمع من خلف سماعة الهاتف، قوله للرئيس الأمريكى، سيادة الرئيس: إن الحرب بين بلدينا قد انتهت، ونحن ننكس العلم السوفيتى الآن.    

كانت تلك اللحظة ضياعًا إنسانيًا وهوانًا سياسيًا وسقوطًا تاريخيًا لدولة شيدت إمبراطورية وجعلت عمادها القهر والظلم وظنت أن ترساناتها النووية خير عاصم لها من السقوط، وكان نيكتا خروشوف (الرجل الذى حاول التجديد ومنع الوصول للحظة السقوط والانهيار) يقول لجنرالاته المُصرين على تكملة سباق التسلح مع أمريكا إلى نهاية الطريق: إن ما يمتلكه الاتحاد السوفيتى من أسلحة نووية قادرة على تدمير الغرب الرأسمالي مرتين، في حين أن مرة واحدة تكفي!.

  • وفي سبيل تثبيت الدولة وباسم المحافظة عليها (كما قال الرئيس السيسي) تم التضحية بالحريات العامة، فقد تم تأميم الإعلام المقروء والمسموع والمرئي، كما تم سن قوانين ما أنزل الله بها من سلطان لتقييد الحريات، لا تخالف فقط روح القانون، بل تبتعد تمامًا عن روح ومنهج العصر الذي نعيشه. ولعل النظام الحاكم اليوم يجد من يهمس في أذنه ويقول له بأن عالم السياسة والأخلاق في ذلك العصر يستدعي العدل قبل فرض العقاب.
  • وما أن بدأ الرئيس في سياساته التي بدا توجهها نحو أقصى اليمين حتى اعترض اليسار غاضبًا مبتعدًا، وما أن ظهر أن طلب الرئيس تحول من تثبيت الدولة المصرية إلى إغلاق هامش الحرية والتعبير حتى خرج اليمين من التحالف رافضًا، وهكذا انصرف الجميع من حول النظام، ولم يتبق معه سوى جماعات المنتفعين من كل شكل ونوع.
  • وكالعادة التف حول النظام الجديد رجال كل العصور بعضهم يرى نفسهُ قادرًا على المساعدة والإضافة، وآخرون يرون أنفسهم يستحقون بحكم التأييد المسبق لكل الأنظمة في كل العصور! وهكذا نرى حول الرئيس الساحة مزدحمة ومتكدسة عن آخرها برجال الأمس، وأول أمس، وأول أول أمس! هؤلاء الذين يحاربون معارك الأمس بأسلحة الأمس بفكر الأمس ناسين جميعًا أن اليوم غير الأمس، وأن غدًا تطور جديد في عالم مختلف لم يعرفوه أو يألفوه. وأصبح ذلك كله خليطًا عصيًا على المزج والفهم في آنٍ واحد.
  • وما يميز هؤلاء الموجودين في الساحة حول سور الرئاسة أنهم رجال لا زالوا يعيشون في أحلامهم وأوهامهم وانتصاراتهم وعدواتهم القديمة، ومن ثم فإن أفكارهم وتصوراتهم التي يقدمونها للرئاسة مستهلكة؛ لأنها جُربت في الماضي كثيرًا، وعندما يُعاد طرحها اليوم تثير السخرية والضحك؛ لأنها أفكار قد عفا عليها الزمن.
  • ثم إن الرئاسة قررت أن تأخذ روشتة البنك الدولي وصندوق النقد برنامجًا لها تنفذه وشعارًا لها ترفعه دون النظر لتبعات ذلك البرنامج أو لانعكاس تلك الشعارات على حياة الناس وأوضاعهم المعيشية.
  • وانعكست سياسات النظام الاقتصادية على حياة المواطنين بالسلب وتراجعت مستويات معيشتهم مرات ومرات، وأصبح الغلاء الفاحش يكسر عظمهم والحوجة من جانب آخر تهرس لحمهم، والجميع يصرخ ولا أحد يسمع أو يُجيب.
  • وذلك أحدث هلعًا بين الشعب؛ لأن الذي حدث ظهر أنه خلافًا لما قيل سابقًا ولما هو منتظر لاحقًا. وذلك أحدث صدمة مزدوجة، فهي مخالفة للتصريحات والتوقعات التي أطلقها النظام قبل توليه الحكم (من أن الشعب نور عينيه، وأنه لن يرفع الدعم عن الفقراء قبل أن يغنيهم)، ومتعارضة مع الأماني والأمنيات! فحينما تختلف التصريحات والتعهدات المعلنة مع الأفعال على أرض الواقع، فإن ذلك يُظهر بجلاء أزمة نظام لا يستطيع موازنة القول بالفعل، ليقع في فجوة عدم المصداقية.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏٣‏ أشخاص‏

  • وزاد على ذلك أن النظام يطلب من هؤلاء المسحوقين أن يتحملوا العبء دون أن تظهر عليهم علامات التعب أو الضيق أو الشكوى أو التمرد. وأن ما يعانونه اليوم أفضل من معاناة مضاعفة مرات سيروها لو خرجوا واعترضوا وأدخلوا البلاد في نفق مظلم دخلته من قبل دول كسوريا والعراق!
  • لكن النظام لم يستطيع تبرير أرقام تعكس سوءً وترديًا في الإدارة، بل حتى على مستوى الكرامة فقد أعلن البنك المركزي المصري أن ارتفاع ديون مصر الخارجية وصل إلى 88.1 مليار دولار بنهاية الربع الأول من العام الحالي، مقارنة بـ82.2 مليار دولار في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2017، وأن هذا الارتفاع جاء نتيجة تزايد الديون متوسطة وطويلة الأجل في نهاية الربع الأول من العام الحالي، بنسبة 6.8% لتصل إلى 76.6 مليار دولار، مقابل 71.7 مليار جنيه في نهاية ديسمبر من العام الماضي. وأوضح التقرير أن الدين قصير الأجل ارتفع إلى 11.50 مليار دولار مقابل 11.12 مليار دولار بنهاية العام الماضي، في حين بلغ الدين الخارجي متوسط وطويل الأجل نحو 87% من إجمالي الدين الخارجي مقارنة بـ86.6%.
  • إن هذه الأوضاع كلها قد أحدثت آثارًا خطيرة على التركيبة الاجتماعية المصرية، وذلك بدوره جعل فكرة (الأمن) وليس (السياسة) هي التي تسيطر على النظام، وأصبح الأمن هو الأولوية الأولى، والأخيرة، و كل ذلك أدى إلى جمود محسوس في الحركة على قمة الرئاسة في مصر وفي استجابتها لمطالب شعبها في الرفاهية وفي الحرية (وهما مطالب ثورتي 25 يناير و30 يونيو) بدعوى أن أمن الدولة المصري يجب أن يسبق أي كلام عن الرفاهية والحرية. وهكذا تحولت الوسيلة (الأمن) إلى هدف أصلي، وتحولت الأهداف الأصلية (الحرية والرفاهية) إلى أهداف ثانوية على أجندة الرئاسة المصرية.
  • واليوم نجد أنفسنا أمام نظام عاجز عن الفهم والاستجابة لرغبات واستغاثات وعويل وآنين الجماهير التي تُطلقها وهي تحت وطأة الفقر والعوذ التي سببتها سياسات ذلك النظام، وهو يظن أنه قادر على المُضي في طريقه بدون مشاكل أو عثرات على الطريق بفضل استقوائه بغرور سلطة مطلقة في يده وقصور فكر يظن أن الحضارة يمكن أن تتأتى بالاستعارة وبتنفيذ شروط واملاءات البنك الدولي وصندوق النقد لتحويل مصر إلى أوروبا أو أمريكا، كما ظن وفعل من قبله الخديوي إسماعيل، لكن تلك السياسات حولت حياة الفقراء لجحيم مطلق اليوم، كما عرضت مصر للاستدانة والإفلاس والغزو في النهاية كما حدث في عهد إسماعيل وولده توفيق من بعده في الماضي.

لكن ما ينساه الرئيس

  • أن هناك جيلًا ولدَ وازدهر وعيه ونضج في وسط حالة ثورية (من قبل ثورة 25 يناير وحتى بعد 30 يونيو) وقد واجه ذلك الجيل عصا الأمن الغليظة (من الهراوات وخراطيم المياه حتى قنابل الغاز وطلقات الرصاص المميتة) على امتداد الطريق الى ميدان التحرير، ورأى طائرات F15 تطير فوق رأسه مهددة في وقت من الأوقات وجلس بين جنازير الدبابات لمنعها من التقدم، ونظم اعتصامات وشارك في مظاهرات، ونزف دماء وقدم شهداء، ووجد أنه قادرًا بفعله وحركته وتضحياته بالدماء والشهداء على إسقاط رؤساء (مبارك – مرسى) وعلى زلزلة سلطات مؤقتة (المجلس العسكر بعد تنحي مبارك).
  • إن هذا الجيل الذي خرج متأملًا في أحوال وطنه يمتاز ببعده عن القوالب القديمة الجامدة الجاهزة، إن هذا الجيل لم يكن قبل ثورة يناير شديد الاقتناع بما يراه حوله، وكان فاقد الاقتناع تمامًا بتلك القيادات على المستوى الحكومي الفاقدة للشرعية، وعلى المستوى الحزبي الفاقدة للأهلية! واليوم يشعر ذلك الجيل أنه خُدع وغُرر به، ثم شُوه مع سبق الاصرار والترصد ولم يكن هو الهدف في حد ذاته، بل كان الهدف هو ضرب وتشويه الفكرة (فكرة الثورة والتغيير، فكرة قدرة الجماهير على التغيير وفرض إرادتها على الكهنة والفراعين والملوك والأمراء والرؤساء).

أي أن الصراع اليوم وغدًا وبعد غدًا بين جيل الأمل المتسلح بالعلم وامتلاك أدوات وروح العصر، رغم غضبه وإحباطه، وبين نظام يعتمد على أدوات سلطة قاسية وعنيفة أسكرته خمرها وجعلته ينسى أن الحكم والحاكم يستمد شرعيته من القبول الطوعي للجماهير به، وليس بقوة الأمر الواقع والفرض القسري بإجراءات استثنائية.

وهنا ينطلق سؤال

هل يستطيع النظام الحالي السيطرة على مجرى التيار؟ أم أن قوة التيار واندفاعه ستدفع النظام واستحكاماته بعيدًا إلى العراء الموحش؟

ولعلي أستطيع أن أجتهد من موقع قارىء التاريخ وأقول: إن الظرف التاريخى يصنع رجاله، فلولا سقوط فرنسا أمام النازي ما ظهر الجنرال شارل ديجول، ولولا ظروف مصر الاجتماعية والسياسية قبل ثورة يوليو (تموز) 1952 ما ظهر البكباشي جمال عبد الناصر، ولماذا نذهب بعيدًا، فلولا الظرف التاريخي المصري في عهد الإخوان ما ظهر الفريق أول عبد الفتاح السيسي نفسه. إن ما حدث ويحدث هو تخمر حالة تاريخية ستُنتج حتمًا رجالها لمواجهة ظرف تاريخي مختلف. 

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‏شخص أو أكثر‏، و‏سماء‏‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏

وأخيرًا

تركت قلمي وتذكرت فور انتهائي من المقال ما حدث من أحد شباب حزب العمل الإسرائيلي وقتها (حاييم رامون) في عهد رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك، وبعد خسارته الانتخابات أمام حزب الليكود ورئيسه وقتها أرئيل شارون، حينما وقف في اجتماع تقييمي لموقف حزب العمل بعد الانتخابات قائلًا لباراك:

إن كل ما فاعلته طوال رئاستك للوزارة، هو أنك وقفت في مكان أعلى من الحزب، ثم فتحت سوستة بنطالك (وصف يصعب كتابته على روق، وإن كانت جريدة الإندبندنت البريطانية كتبته في وقتها!) وقلت لنا هذا هو المطر فازرعوا واحصدوا واشكروا الرب الذي أفاض عليكم نعمه، ثم اكتشفنا بعدها (الكارثة)!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد