لا شك أن ما يحصل في أفغانستان هو حدثٌ كبير شدّ انتباه الكثيرين وحظي بتغطية إعلامية مُكثّفة حول العالم. مما لا شك فيه أيضًا أن تسلم حركة طالبان مقاليد الحكم في أفغانستان أو أرض الأفغان، سيكون له تداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية داخل البلاد، وأخرى سياسية وأمنية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

سيحاول هذا المقال البحث في تداعيات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وخاصة تلك المتعلقة بالعالم الغربي ضمن سيناريويهن اثنين.

بدايةً لابد من التعريف بحركة طالبان وتاريخها بلمحة في بلاد الأفغان. نشأت الحركة الإسلامية لطلبة المدارس الدينية، المعروفة باسم طالبان، في ولاية قندهار (جنوب غربي أفغانستان) على الحدود مع باكستان عام 1994، على يد الملا محمد عمر مجاهد، إذ رغب في القضاء على مظاهر الفساد الأخلاقي، وإعادة أجواء الأمن والاستقرار إلى أفغانستان، وساعده على ذلك طلبة المدارس الدينية الذين بايعوه أميرا لهم عام 1994.[1]

أفغانستان أو أرض الأفغان، هي بلد ذو موقع جيوسياسي في وسط آسيا، لم ينعم بالسلام والاستقرار منذ أكثر من أربعين عامًا. فبعد دخول القوات السوفيتية لدعم النظام الشيوعي في أفغانستان عام 1979، تشكلت مقاومة أفغانية لقيت دعمًا من دول مناهضة للاتحاد السوفيتي، أبرزها الولايات المتحدة والسعودية وباكستان. وبالتالي تمكن الأفغان من دحر القوات السوفيتية خارج بلادهم بعد عقد من دخولهم لأرض الأفغان. إلا أن النزاعات الداخلية على الحكم في البلاد لم تعرف نهاية من حينها. وهكذا نشأت طالبان في مناخ يسوده الفوضى والفساد وانهيار تام للبلاد. وما تبني الحركة لشعارات توحيد البلاد ومحاربة الفساد إلا السبب الرئيس الذي أكسبها تأييدًا شعبيًا في مختلف أرجاء البلاد. وهكذا تمكنت الحركة من السيطرة على العاصمة كابول بعد سنتين من نشأتها ومعاركها (عام 1996).[2]

لم تتمكن طالبان المكوث في كابول أكثر من خمس سنوات، فقد انبثق خلاف كبير مع الولايات المتحدة التي كانت تتخذ موقفًا إيجابيًا منها قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001. فرفض الحركة تسليم زعيم القادة أسامة بن لادن للولايات المتحدة لعدم تقديم أدلة تثبت تورطه في الهجمات، كان كفيلًا بإعلان الولايات المتحدة الحرب على أفغانستان ودخولها في حرب مع حلفائها في الناتو استمرت حوالي 20 عامًا. قرار الإدارة الأمريكية بسحب جميع ما تبقى من قواتها في أفغانستان، برره الرئيس جو بايدن بعدم رغبته برؤية الولايات المتحدة منخرطة في حروب ونزاعات لا نهاية لها ودفعها تكلفة باهظة الثمن.[3] تصريحات الرئيس الأمريكي جو بايدن تشير بوضوح لعدم عودة القوات الأمريكية لأرض الأفغان مجددًا، إذ لا يمكن للجيش الأمريكي أن يبقى في بلاد تعاني من حرب أهلية ويحارب هناك إلى ما لا نهاية، حسب تعبيره. الجدير بالذكر أن حركة طالبان غير مصنفة كحركة إرهابية على قائمة وزارة الخارجية الأمريكية،[4] مما يعني أنه لا يوجد مانع قانوني من تعامل الولايات المتحدة مع طالبان كحكومة شرعية في بلاد الأفغان.

هذا القرار أحدث صدى واسع وكانت له تبعات جدية على أرض الأفغان. فقد تمكنت حركة طالبان من السيطرة على كامل البلاد بسرعة قياسية لم تتوقعها تقديرات الخبراء ولا تقارير الاستخبارات المركزية الأمريكية ذاتها. إن انتصار طالبان في معركتها ضد الأمريكان والجيش الأفغاني سيتبعه بلا أدنى شك تداعيات كثيرة. أهمها شكل الحكم والمرتكزات المبدئية التي ستعتمد عليها الحركة في حكمها وصياغة سياستها داخليًا وخارجيًا. ستتعامل الدول مع طالبان بناءً على سلوكها الخارجي بالمقام الأول، مما يعني أنه ثمة سيناريويهن محتملين:

أولاً، اعتراف الغرب بحكومة طالبان كممثل شرعي للشعب الأفغاني يعني أن الولايات المتحدة وأوروبا قد تخلّوا عن زج مسألة حقوق الإنسان في علاقاتهم مع الدول «غير الديمقراطية». وهذا إن حصل فسيكون تحول إستراتيجي وأساسي في السياسات الغربية تجاه الجماعات الإسلامية. وسيعطي انطباعًا جديدًا عن الولايات المتحدة لجميع الأنظمة والجماعات التي كانت تتخوف من عقوبات أمريكية لعدم مراعاتها لحقوق الإنسان.

ثانيًا، عدم اعتراف الغرب بحكومة طالبان يعني بالضرورة تعاملها وميلها للتعاون مع الجهة الأخرى من العالم، وهي الصين وروسيا وكل الدول التي لا تولي الديمقراطية وحقوق الإنسان أهمية كتلك الواضحة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وهذا بالطبع لا يخدم المصالح الأمريكية ولا الأوروبية، كما سيؤدي لتغير في ميزان القوى والتحالفات في المنطقة.

ختامًا، لا يبدو أن قادة طالبان ينووا فعلًا إشراك الحكومة السابقة في الحكم. إذ صرّح أحد زعماء القادة بأن الحركة مستعدة على التفاوض، ولكن على ماذا ومع من؟ في إشارة منه لموضع القوة الذي نالته الحركة وعدم اضطرارها لمشاركة السلطة مع طرف ثاني. وأخيرًا شكل الحكم في البلاد وتعيين السفراء وأولى الزيارات الخارجية وغيرها من الخطوات التي ستتضح في الأيام القادمة هي من سيحدد في أي اتجاه ستسير الأوضاع في أرض الأفغان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد