كيف يمكن أن نبرر وصولَنا إلى هُنا؟ ما الذي خلَّفتهُ تلك المجتمعات فينا؟ ومتى صارَ لزامًا علينا أن نُناقش أمورًا بديهية بل نُعاني من أجلِ إقرارِها؟

تشهدُ مصرَ في هذهِ الأثناء، وتحديدًا منذ أواخر يونيو (حزيران)، وأوائل يوليو (تموز) من العام الجاري، ثورةً حقيقيةً، ولكنّها تنفجر عبرَ العالم الافتراضي، وقد تتجاوزه وصولًا إلى الواقعِ على الأرض وقد لا تفعل، وعلى كُلٍّ فنحنُ هُنا لسنا بصدِد تحليل مستقبل تلك الثورة والتنبُّؤ بهِ، فالأهمّ من ذلك كله أنها – أخيرًا – قامت.

أقبحُ ما في الثوْرات، أنَّها تَصدِمُنا فيمن لم نكن نتوقَّع أو نضعُ لَهُ حسابًا. فالثوْرات إذ تقومُ على نظامٍ ما أو واقعٍ معين بغرضِ تغييرِه، فهي لا تقف عندَ ذلك الحدِّ، بل تفضحُ سوْءاتِ العديدِ من الفئاتِ وأفكارهم الشاذَّة والذين لم يكونوا هدفًا للثورةِ من الأساس، إلا أنَّهم قد كُشفوا في خلالِ أحداثِها، وأصبحَ التعامُل معهم ومواجهتهم أمرًا حتميًّا.

بدأَت إرهاصاتُ تلك الثورة عبرَ موقع التواصل الاجتماعي: «فيسبوك»، حينَ قامت فتاة بنشر قصتها والتي تحكي فيها تحرُّش شاب – طالب بالجامعةِ الأمريكية – بها، وكانت هذه القصة هي الإشارة التي تلقَّتها فتياتٌ عديدات ليَقُمنَ بكسرِ حاجز الخوف بحكيْ حوادث التحرش والاغتصاب التي تعرَّضن لها من قِبلِ الشابِّ ذاتِه، لتتوالى بعدَ ذلك القصص والتي تتنقل بالقضيَّةِ من قضيَّةٍ خاصَّة إلى قضيَّةِ رأيٍ عام، وتبعًا لذلك تُعلن النيابة العامة المصرية القبض على الشاب وبِدء التحقيقات معه.

إلى هُنا، فالأمرُ لا يتعدَّى قضيةً واحدةً بين طرفين حتى ولو تحوَّلت إلى قضيَّةٍ تشغل الرأي العام، لكن اتضح بعدَ ذلك، أنه بإعلان النيابة العامة المصرية تحرُّكها والقبض على الشاب، وجدَ ضحايا التحرش الجنسي بمصر أملًا في أن يتغير الواقع المفروض منذُ عقودٍ طويلة، بتجاهل الجهاز الشُرَطي لقضايا ومحاضر التحرش، وبتجاهل المجتمعِ للمتحرشين، بل – ومع الأسف- بتضامُنِه معهم في أحيانٍ كثيرة!

باستشعارِ الفتيات ببدءِ تغيُّرِ هذا الواقع المفروض فعلًا، بدأت العديد من الفتيات في قصِّ حوادث التحرش والاعتداءِ التي تعرَّضنَ لها من قبل، وفتاةٌ تتلوها فتاة حتى استشعر كل المتحرشين والمغتصبين والمعتدين أن فضيحتَهم باتت قريبة، بل بدأ بعضهم بمحاولةِ استباقِ الفضيحةِ والاعترافِ عبرَ «فيسبوك» بما فعل، وبتوجيهِ اعتذاراتٍ للفتياتِ اللاتي تعرض لَهُنَّ، مما يُعد ظاهرة لم يشهدها المجتمع المصري من قبل، وانتصارٌ حقيقيّ حققته تلك الثورة من أجل القضية بشكلٍ عام، ومن أجل المرأة بصفةٍ خاصّة، حتى ولو بشكلٍ مبدئيٍّ.

وعلى الرُغم من اهتمامي بقضية التحرش الجنسي، وبقضايا العنف عمومًا ضدَّ المرأة، فإنني لم أكن أدرك أن رؤيتي ومعرفتي عن القضية سطحية إلى ذلك الحد، فبالرُغم من محاولاتي على مدار الأعوام الماضية سماع العديد من قصص الفتيات ممن تعرَّضن للتحرش الجنسي، فقد اتضح أن هؤلاء الفتيات لم يكُنَّ على قدرٍ كبيرٍ من الاستطاعةِ ولا الاستعدادِ حينها لحكايةِ كل تفاصيل الحوادث التي تعرَّضنَ لها، والآنَ فقط، كسرت الفتيات ذلك الحاجز الأزليّ من الخوف، وسردن حكاياتهِنَّ – بتفاصيلِها التي أخفيْنَها لأعوامٍ طويلة – على الملأ، وفضحن هؤلاءِ المتحرشين، وبإدراكِ أنهُنَّ الضحايا، وأنهُنَّ غير مذنباتٍ كما حاولت التنشئة وحاول المجتمع زرع هذه الفكرة في عقولهن على مدارِ العقودِ الماضية.

ما كانَ متوقعًا في هذه الأثناء، هو أن يبادر الرجال من غير المتحرشين بدعمهِنَّ في تلك اللحظةِ التاريخيّة التي يمرُّون بها، ولكن بدلًا من ذلك، وبدلًا من أن تنضم إليهنَّ الفئاتِ المختلفة لإبرازِ لحظتهِنَّ تلك ونُصرَتِهِنَّ فيها، ولتقديمِ الدعم غير المشروط لهؤلاءِ الضحايا اللاتي عانيْنَ من التحرش والاعتداء على مرّ السنين، وتعرَّضنَ للإرهابِ الفكريّ المستمر، وبدلًا من ذلك الدعم الذي كُنَّا نأمَلُهُ – في لحظَةٍ كهذه – كمُناصرين للقضيةِ، وجدنا الفئات التي كُنَّا ننتظر منها ذلك الدعم خرجت تُوعظ هؤلاءِ الفتيات – اللاتي استطعنَ التحدُّث للمرّةِ الأولى منذُ عقود – بضرورةِ الاحتشام. لنُدرِكَ حينها أنَّ أقبحَ ما في الثوْرات، أنَّها تَصدِمُنا فيمن لم نكن نتوقَّع أو نضعُ لَهُ حسابًا. كيف يمكننا أن نبرر وصولنا إلى هُنا؟

الأمر برُمَّتِهِ يُذكِّرُني بشابٍّ كانَ يحاول أن يعبرَ الطريق إلى الضَفةِ المقابلة، ولكنَّ سيارةً طائشةً تسيرُ في عكسِ الاتجاه المسموح، ولا تستطيع التحكم في «سرعتها»، صدَمَته. تركَ الجميعُ السيارةَ والطريقَ والسائقَ الذي لا يستطيع التحكُّم في «سُرعَتِه» وتوجَّهوا نحوَ الشاب المُلقى على الأرض وتُحيطهُ بُقعةً من الدم، ليخبروه بأنه كان من المفترضِ عليه أن ينتبه أكثر إلى الطريق، وأنه ما كانَ منتبهًا بالقدرِ الكافي، فلو وضعَ في حسابِه أنَّه من الممكن أن تأتي سيارةٌ من الاتجاهِ غير المسموح، فربما استطاع النجاة من الحادثة، ولكن هؤلاء – للأمانةِ – لم ينسوا إخبارَهُ – بالطبع – أن نصيحتهم ولومهم عليه لا يبرر الحادثة، ولكنه كان سببًا لها.

لو وُجد في مسرحِ الحادثةِ تِلكَ رجل عاقلٌ رشيد، ما كانَ ليسمحَ بذلك أن يحدث، وما كان أحد ليستطيعَ أن يذهبَ لتوجيهِ النصيحةِ إلى الضحية، بدلًا من نُصرتها أولًا وتوجيه النصيحة لها – صحيحةً كانت أم خاطئة – بعد تمامِ شفائِها وبعدَ نهايةِ القضيَّة برمتها، فبذلك يُدرِك السائق، أنَّ انتباه الشاب من عدمِه، لا يبرر، كما أنه ليس سببًا – من الأساس – للسائقِ أن يقودَ سيارته في عكسِ الاتجاهِ، ويفقدُ قدرته في التحكم في «سُرعَتِه». الأسوأ من كل هذا، أنه لم يكن هُناك فعلًا رجلٌ عاقلٌ في مسرحِ الحادث لكي لا يسمح لكل ذلك أن يحدُث، بل إنَّ المختل الذي ذهبَ لإسداءِ النصيحةِ للضحية، وجدَ كُلُّ من في مسرح الحادث يؤيدونَه ويناصرونَه ويستشهدون بعبقريَّتِه الفذَّة في قصفهِ لجبهةِ الضحية. ما الذي خلَّفتهُ تلك المجتمعاتُ فينا؟

وجدَ الفتياتُ وكل المناصرين لثورتِهنَّ أنهم لا يستطيعون تركيز كل مجهودِهِم في نُصرةِ القضية وإتمامِ الثورة، بل عليهم تقسيمَ مجهوداتهِم في نُصرةِ الثورة من ناحية، وفي الجدالِ والنقاشِ حول بديهياتٍ من ناحيةٍ أُخرى، فوجدَت الفتيات والمُناصرون أنفسهم – فجأةً – يحتاجون جُهدًا إضافيًّا بإقرارِ بديهياتٍ تنصُّ على أنَّ السير عكس الاتجاه والاصطدام بمن يحاول عبور الطريق، لا يبرره عدم انتباه الضحية للاتجاه غير المسموحِ بالسيْرِ فيهِ أصلًا. متى صارَ لزامًا علينا أن نُناقش أمورًا بديهية بل نُعاني من أجلِ إقرارِها؟

أقبحُ ما في الثوْرات، أنَّها تَصدِمُنا فيمن لم نكن نتوقَّع أو نضعُ لَهُ حسابًا. وأهمُّ ما فيها أنَّها تفعل! فالثورةُ التي قامت ضدَّ المتحرشين والمعتدين جنسيًّا، وقامت لتغييرِ واقعٍ مفروضٍ على الفتياتِ منذُ أعوامٍ عديدة، وجدت نفسها في حربٍ أُخرى ضد ملايين الرجال والفتياتِ على حدٍّ سواء، ممن يناصرون فكرة أنَّ عدمَ انتباه الضحية للاتجاه المعاكس يعد سببًا في وقوعِ الحادث، وعلى الرُغم من قُبحِ الواقع الذي كشفت عنه تلك الثورة، وعلى الرُغم من بشاعتِهِ، فإنَّ معرفته والوعي بهِ كان ضروريًّا، والحرب ضِدَّهُ على صعوبتِها وطولِ أمدِها ضرورية، لتعظيم مكاسبِ تلك الثورةِ حين تنتَصِر.

ولكنَّ السؤال الحقيقيَّ الذي سأظلُّ أُكرِّرهُ بعد أن تلقَّيت صدمة أنَّ الملايين من غير المتحرشين أصلًا يضعونَ «عدم انتباه الضحية للاتجاهِ المعاكس» سببًا رئيسيًّا في الحادثةِ، هو: كيف تشكَّل وعيهم ذلك؟ وأين؟ ومتى؟ وما شكل البيئة التي شكَّلته؟ وما الفارق الحقيقيُّ في التنشئةِ بين من نشأ منتصرًا للفِطرةِ الإنسانية وللبديهةِ وللمنطق وملايين البشر – من المتحرشين ومن غيرهم – ممن نشأوا مُحَمَّلين بكل تلك التناقضات وكل ذلك العُنف والقسوة والقدرة على إيذاءِ غيرهِم من البشر سواءَ كان ذلك الإيذاء مباشرًا أو غير مباشر، متعمَّدًا أو غير مُتعَمَّد؟

كيف يمكن أن نبرر وصولَنا إلى هُنا؟ إلى هذه النقطةِ تحديدًا؟ كيفَ ومتى صارَ لِزامًا علينا أن نناقشَ أمورًا بديهية تتعلَّق بأنَّه لا حقَّ لك في إيذاءِ الآخر طالما أنَّه لم يتعرَّض إليك؟ كيفَ ونحنُ نعيشُ في القرنِ الواحدِ والعشرين ما زلنا نُحارِبُ من أجلِ أبجديَّاتِ حقوقِ الإنسانِ ونحاربُ من أجلِ القضاءِ على التمييز بين الرجل والمرأة؟ كيفَ نُحارب من أجلِ قضايا كانَ يليقُ بنا أن نُحارب من أجلِها في القرنِ الثامن أو التاسع عشر؟ كيفَ وجدنا أنفسنا الآنَ مُطالبين بنصرةِ قضايا انتصرت لها مجتمعاتٌ غيرنا منذ قرونٍ طويلة؟ وكيفَ لمُجتمعاتِنا القُدرة الهائلة تلك في إفسادِ إنسانيتنا وإفسادِ كل محاولاتِنا لإصلاحِها؟ وكيفَ نجحت في جَعْلِنا نؤمن بأننا على صوابٍ وأن كل من عدانا على خطأ؟ أنا أريدُ وأحتاجُ أن أعرف: ما الذي خَلَّفتهُ تلك المجتمعاتُ فينا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد