أن يأتي بقدمه إلى أقرب جسر ليمثل مشهد السقوط الأخير، أو أن تسكب الوقود على رأسها وتوقد النار لتحرق أحشاءها، أو أن يعتقد/ أو تعتقد أن هذه الرصاصة التي ستنطلق بعد الضغط على الزناد رصاصة الرحمة والراحة الأبدية، فهذا من المستحيل أن يأتي من الفراغ، بل له قصة وعنوان وأسباب، ومن ثم انتحار.

رحلة معاناة تصبح معها الحياة لا تطاق، لا أمل، لا تغيير، وانتكاسات متتالية، وتراكمات أزمان غابرة عصفت بالذات فمزقته وأحالته إلى رماد، هكذا نستطيع أن نصف من يمارس هذا الطقس بإرادته في بلد أنهكته تبعات الاحتلال، ومزقت لحمته وهدمت الإنسان فيه.

ففي السنوات الماضية وتحديدًا قبل الغزو الأمريكي للعراق، لم يكن الانتحار من الظواهر المألوفة في المجتمع العراقي، مجتمع يعتز فيه العراقي بنفسه ويعتد بها، فثوابته وعاداته وتقاليده تصل إلى درجة التقديس، وهذا ينبع من كرامته واحترامه لذاته والقيم المتأصلة فيه، ولا مبالغة في ذلك أبدًا، فمن عاش في العراق يعرف ذلك، لكن الغريب أن تبدأ شريحة مهمة من هذا المجتمع بتسريع النهاية.

نفاجأ بين الحين والآخر عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام بانتشار مقطع لشاب يرمي بنفسه من فوق الجسر مودعًا أهله وأحبابه بكلمات قبل أن يقفز، أو نقرأ أن فتاة تناولت السم أو قطعت وريدها أو شخصًا يشنق نفسه، والقاسم المشترك ظروف اجتماعية قاهرة ولا تطاق.

تشير إحصاءات لمفوضية حقوق الإنسان في العراق أنها رصدت أكثر من 3 آلاف حالة انتحار بين 2015 و2017 في مقابل حلات إنقاذ قليلة مقارنة بهذه النسبة لشباب أقدموا على الانتحار، الكارثة أن أكثر المُقدمين هم من فئة الشباب، كما يؤكد تقرير المفوضية في 2017 أن محافظة ذي قار كانت متصدرة في نسبة من قرروا الرحيل عن الدنيا برصيد أكثر من 100 شخص، وأكثر من 70 في ديالي، و68 في نينوى، وبغداد 44، والبصرة أكثر من 30 شخصًا، كما تشير دراسات أجريت في الأعوام التالية إلى نسب مقاربة.

هنا لا بد عن السؤال عن الأسباب التي تدفع الشباب والشابات إلى تلك النهاية المأساوية، ومع بعض الناجين وطبيعة ظروف المنتحرين يمكن أن نحصل على إجابات نستند إليها وهي تشتمل على أن أبرز عامل هو الفقر نتيجة تضاؤل فرص العمل، وبالتالي عدم القدرة على تأمين متطلبات المعيشة اليومية خصوصًا في المناطق الريفية على أطراف المدن، بل حتى المدن نفسها.

لعبت وتلعب العمليات العسكرية والإرهابية والطائفية التي جرت في مناطق متفرقة من العراق منذ 2003، وما زالت مستمرة بوتيرة تزدادة وتنقص بين فينة وأخرى، وما نتج عنها من فقدان الأهل والأحباب، وضياع الأموال وتدمير للبيئة الجميلة والمستقرة التي غابت عن أعين أصحابها، ولكنها بقيت ذكرى تطاردهم ليصل الحال بهم إلى هذه النتجية الكارثية، في المجمل كلها عوامل أسهمت بشكل كبير في توليد حالات إحباط واكتئاب لدى المنتحرين.

التحول التكنولوجي الكبير في العراق طبعًا كمستهلكين لا منتجين، ومنها انتشار الإنترنت، واقتناء الأجهزة الذكية بصورة فاحشة، والدخول إلى عالم التواصل الاجتماعي، وما يترتب عليه من جهل البعض وقلة الوعي وتفجر الفضائح بين الحين والآخر في مجتمع غير متسامح في مسألة العرض والشرف، وذي نزعة ذكورية قوية ومتأصلة مستمدة من طبيعة الرجل العراقي والعادات العشائرية المتأصلة فيه، بالتالي اتجاه من تزل قدمه إلى ما يعتقد أنه الخلاص من الفضيحة والابتزاز وهو الانتحار، وهنا تنتقل المسؤولية إلى الحكومة في معالجةهذه الملف، ورغم وجود مؤشرات تؤكد اهتمام الجهات المختصة في الحكومة بموضوع الجريمة الإلكترونية من خلال رصد حالات إلقاء القبض على أشخاص ارتكبوا جرائم الابتزاز والنشر الإلكتروني، ولكن الأمر يتطلب الكثير من الجهود.

لا ننسى أن نشير إلى أداة هدم واغتيال وتدمير انتشرت بين أوساط الشباب في العراق نتيجة غياب التثقيف الكامل بخطورة هذه الآفة، وهي آفة المخدرات وما يترتب على إدمانها من اضطرابات نفسية وقلق يصل إلى حد الهوس والغرق بالأحزان والأوهام، وبعدها الاستيقاظ على واقع مرير يؤدي إلى اختلال الذات لتصبح الحياة لا معنى لها، ويجب مغادرتها.

من الأمور المهمة التي لا يجب أن نغفل عنها هو الجانب الإيماني في حياة الإنسان، فمن المستحيل أن يقدم شخص مؤمن بالله وقضائه وقدره ومتفهم لحقيقة وجوده في هذا الكون على الانتحار، فالإيمان حصن منيع لذلك، فنحن نسمع ونشاهد قصصًا لأشخاص مروا بظروف قاسية جدًا، ولكنهم ما زالوا أحياء ولم توصلهم هذه الظروف إلى هذا الحال، في حين أن هناك حالات انتحار قد تكون لأسباب تافهة، وهنا يبرز الإيمان كفيصل في المسألة، وعلاج للمصيبة، وهادم لأعمدة الأسباب المؤدية للانتحار، لأنه يحقق السلام الداخلي، وبالتالي راحة النفس واتصالها بخالقها، واليقين بأن دوام الحال من المحال.

في العراق الجميع يسأل الجميع من سيوفر الحلول التي من ضمنها توفير فرص العمل للفئة المجتمعية التي تجبرها الأسباب سالفة الذكر على الانتحار، من سيقف سدًا منيعًا لوقف التناحر الطائفي، من سيدعم التعليم حتى يرتفع مستوى الوعي ليتم استئصال هذه الظاهرة، بالطبع ستتجهه الأنظار إلى الحكومة ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسة الدينية والعشائرية في العراق، والمجتمع كله تقع عليه مسؤولية تاريخية في تشخيص ومواجهة هذا الخطر، فرفع الوعي والإيمان والهمم وحل المشكلات الاقتصادية وتذليل العقابات أمام الشباب العراقي، ودعمه أجدى وأنجع من زيادة ارتفاع الأسيجة الجانبية للجسور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد