انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة عمل صفحات على موقع التواصل الإجتماعي ( فيسبوك) تتناول الحديث عن فترات مُستقبلية أو أشياء خيالية، ولكن تُعبر عن مشاعر الناس.

 

فمن صفحة تتناول ما يُعتقد أن ستكون عليه حياة الشخص بعد 5 سنوات من الآن , إلى صفحة تتحدث عن توجيه رسالة إلى الأب , أو رسالة إلى الزوج أو الزوجة المستقبلية , ورؤية تعليقات المُستخدمين في كل صفحة يُخبرنا بلا شك عما يجول في عقول جزء عريض من المجتمع ألا وهو الشباب.

 

فنرى على سبيل المثال: التعليقات التي تٌعبر عن الحب للأب أو الندم على عدم التعبير عن الحب له في السابق أو حتى توجيه عتاب للأب , ومن هذا المثال نرى أن مثل هذه الصفحات هي بمثابة استفتاء عام أو تعبير حقيقي عن دواخل الشباب ومشاعرهم , فهذه التعليقات موجهة في الأساس إلى المجهول , فهي ليست حديثا بين الأصدقاء، وليست حواراً في البيت أو على التلفاز , فلا رقيب هنا ولا هدف إلا التعبير عن مشاعر الإنسان , فذلك الشاب الذي يُعاتب والده هو على يقين بأن والده لا يعرف ما يكتبه ابنه عنه , وتلك الفتاة التي يٌقطر تعليقُها ندما على إضاعتها لفرص الكلام مع والدها حينما كان حياً , هي على يقين أيضا بأن والدها المُتوفي لا يصل إليها حزنها على فراقه .

 

ولكن ما أثار اهتمامي أكثر من غيره , هي تلك الصفحة الموجهة إلى مصر , والتي تُطالب مُنشئتُها, تلك الفتاة العشرينية السكندرية , مُستخدمي الفيسبوك بتوجيه رسالة إلى مصر , وبينما نحن على يقين بأن مصر هي رمز للوطن لا تصلها مشاعرنا , لا بالحب ولا بالكره , ولا يصلُنا منها شكوى سواء بتدميرنا لها أو اعترافها بالجميل لمحافظتنا عليها , لذلك فهذه الصفحة و هذه التعليقات ماهي إلا استفتاء سريع عما يشعر به شباب مصر تجاه ذلك الوطن المُسمى مصر .

 

وبنظرة سريعة على الصفحة نرى أن أغلب المُعلقين وموجهي الرسائل إلى مصر , هم من فئة الشباب سواء كانوا ذكورا أو إناثان ويظهر بشكل جلي أن الرسائل أغلبها سلبية وأن النظرة يملؤها الألم والعتاب. ولا تخلو الصفحة كذلك من التعليقات الساخرة على شاكلة الكوميديا السوداء, وهي من مميزات الشعب المصري من وجهة نظري ونظر الكثيرين .

 

ودعونا نتناول بعض التعليقات , فيظهر لنا تكرار الاستفهام عن مصطلح ( أم الدنيا ) , وهو سؤال يُعبر عن حقيقة يعيشها الناس , فهم يرون أن مكانة مصر بين الدول بناء على التقارير الدولية تقع في مؤخرة الأمم , فأنى لها أن تكون أماً لهم ؟ وهو سؤال منطقي , و يُعبر عن انفصال المفاهيم والمُعتقدات عن واقع الحال . ثم يأتي مُعلقا آخر مستبعدا أن تكون هذه الدولة في يوم من الأيام دولة عُظمى ( قد الدنيا ) .

 

وتكثر التعليقات التي تعاتب الوطن المُسمى مصر على ما يعانيه أصحاب التعليقات في حياتهم الشخصية , مع نكران أي نوع من المكاسب التي يُمكن أن يكونوا حصلوا عليها بفضل أنهم ولدوا وعاشوا في مصر , بل تظهر تعليقات كثيرة التكرار خلال السنين الماضية والمُقتبسة من مقولة مصطفى كامل ( إن لم أكن مصريا لوددت أن أكونا مصريا ) ولكن مع تغيير ما يتمناه الشخص .

.
ومن جهة أخرى يظهر ندم البعض على العودة إلى مصر مرة أخرى , مفضلا إياها على الغربة, بينما يتمنى الكثيرون هجرتها إلى دول أخرى، ممنين أنفسهم بالحصول على ما لم يجدوه في وطنهم مصر.
ولا نغفل وجود التعليقات القليلة نسبيا والمُعبرة عن حب مصر, والتي تكون إما مصحوبة بانتقادات لها من قبل مُعلقين آخرين أو ملحوقة بتعبير عن الحزن أو الغضب من المسئولين الذين يقتلون أحلام الشباب, بل يوجد أيضا أحد التعليقات الذي يُعبر عن الشعور بالغضب من كم الانتقادات والسِباب الموجه إلى مصر على الصفحة .

 

ويُعبر أحد موجهي الرسائل بأن ما يربطه بمصر كوطن هو أهله وأصدقاؤه , وأنه فيما عدا ذلك فهو لا تربطه شيء بذلك الوطن .

 

ويظهر لنا أيضا في بعض التعليقات التي تُعبر عن غضب المُعلقين من الانتهاكات الأمنية وتوجيههم العتاب لمصر على هذه الانتهاكات، وهنا يظهر لنا أثر السياسة في تشكيل وجدان الشعب تجاه وطنه , ففي حين يجب أن يفصل الإنسان بين الوطن وبين مؤسساته الحاكمة يظهر لنا هنا تلاشي ذلك الخط الفاصل بين الاثنين فتصبح السلطة الحاكمة هي الوطن , ومن يُعارضها فهو خائن أو إرهابي أو غير ذلك من المصطلحات التي تنضح بها الديكتاتوريات.

 

بينما من أكثر التعليقات التي أثارت انتباهي وأضحكتني في نفس الوقت هو الرسالة الموجهة إلى مصر ( ارقدي في سلام  )  RIP)) , وكأن لسان حاله يقول إن هذا الوطن قد مات ولا مجال لإيقاظه مرة أخرى فدعونا نبحث عن وطن جديد.

 

ولا أدري لماذا تذكرت وأنا أُطالع تلك الصفحة أحد مُذيعي القنوات الخاصة المصرية في برنامجه وهو يوجه الكلام إلى المصريين المعترضين على سوء الأحوال الاقتصادية أو الاجتماعية بشكل عام , بأن من لا يُعجبه الحال في هذه البلاد فعليه الرحيل منها وبأن حدودها طويلة وممتدة , فليُلقي نفسه في البحر أو يفعل في نفسه ما يشاء , ولا أعلم هل يجهل هذا المذيع الرغبة العارمة للشباب نحو الهجرة وأن ما يمنعهم هو الكثير من العقبات ولو تسنى لأحدهم الفرصة لولى مدبرا ولم يٌعقب مرة أخرى .

 

مما سبق تدعونا هذه الصفحة في الحقيقة للتفكر في حقيقة الوطن وماهيته , هل هو مكان نعيش فيه ؟ لا أعتقد ذلك فأرض الله واسعة وهناك من البلاد منا هو أجمل طبيعة وأكثر تقدما من بلدنا , إذا هل هو المكان الذي نولد فيه ولنا فيه ذكريات ؟ لا أعتقد ذلك فكثير من المصريين ولدوا خارج مصر وتربوا وتعلموا خارجها ويظل لهم ارتباط بذلك الوطن المُسمى مصر , إذن هل هو البلد الذي نعمل فيه ونكسب منه قوت يومنا ؟ لا أعتقد هذا؛ فملايين المصريين يعيشون في الخليج ويعملون ومع ذلك يظل ارتباطهم بمصر وثيق , فهم يحولون مليارات الدولارات سنويا إلى مصر ويُمثلون المصدر الأول للدخل لجمهورية مصر العربية , ولو أنهم اعتبروا مواطن هجرتهم أوطانا ما أعادوا أمولهم التي يشقون ويغتربون من أجلها مرة أخرى إلى مصر, إذن ما هو الوطن ؟

.

أعتقد أنه المكان الذي نشعر فيه بالأمان , نشعر فيه بالعدل , نشعر فيه بالفخر , نشعر فيه بالانتماء , هو مكان يحمينا و يهتم بنا , نعمل من أجله ويعمل من أجلنا , مكان نشعر فيه بالأمل وبأن لنا مستقبل , مكان نشعر فيه بالحرية , فنعبر عن أحلامنا وأفكارنا دون خوف , مكان نشعر فيه بالكرامة ولا نشعر فيه بالغربة . فإن وجدت هذا المكان فقد وجدت وطنك .

.
رابط الصفحة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد