خشيت أن أنصحك أن تلتزم بهدفك وتدع كل شيء غيره جانبًا، لكني خشيت أيضًا أن تسألني ما معنى «الهدف» هنا؟
وفي لحظة عابرة وأنا أودعك لاحت لعيني تلك الأهداف الذابلة في قلوب الشباب، والآمال الجافة تحت شمس حارقة لا تغيب، والطموحات المفتتة على ثرى عفن لم يذق الماء منذ عقود، والرغبة المدفونة في قيعان وحل قريب.
كيف أخبرك الحقيقة، ومتى أمتنع عن الكذب؟

فمن السخرية التى لا محل لها من المنطق أن تستطيع مدح الحياة والموت معًا، التفاؤل والتشاؤم معًا، الليل والنهار معًا!
أن تُقنع جليسك بأي منهما حتى ليظن أنك «بمنطقك» هذا أسعد من خُلق، أو أتعس من مات حيًّا!

وأكثر ما يحزنني أن أعرف أن شابًا أو فتاة ما يزال في الطريق الذي أتينا منه مجاهدًا، يحدوه الأمل في الوصول لشيء مختلف، فما أقسى شريعة الأمل إذ تجعل النهاية دائمًا نارًا فقط سواء التزمنا بها أو كفرنا.

لكني لا أستطيع أن أنصحك بانتظار اثنتا عشرة عينًا تتفجر من الصخر المحيط، ولا أن يطرح الشوك عنبًا، ولا أنصحك بالصبر، فذلك تدليس على النفس من المجتمع الصخري.

فحاولت جاهدًا أن أثنيك عن تدمير حياتك في جلسة صغيرة، تصنعت لك من أسباب التفاؤل ما كانت تلومني عليه نفسي قبل النطق به، لكن أصدق ما قلت: أن حياتك ملك لك، لا تجعل لصوص السياسة والاقتصاد يسرقونها منك، أو يساومونك عليها، أو يضيقون عليك الخناق لتكسد في جوفك وتذبل.

ولمّا رجعت إلى بيتي كان يتردد بذهني: «يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا».
كنت لا أدري كيف يحدث ذلك من قبل، وأتوقف ذاهلًا أمام الكلمات متسائلًا ومفكرًا. في بضع ساعات يتغير يقين المرء وتاريخه الأيديولوجي وما اعتقد، وما تعبّد به بناء على ما آمن به، أن يطرح فكرة الآخرة دفعة واحدة دونما ألم نفسي، أو خوف يحيك بصدره، أو فكر جاد صحيح يحذّره.

ماذا فعل المساء بـ «الرجل» الذي تبدّل، وأي شيء ذهب به ضوء الشمس من قلبه، وجاء بغيره ظلام المساء ليحيله من مؤمن لكافر.
لماذا تتغير وجهات النظر فجأة، وتتلاشى المبادئ المعقودة على صخر وصُلب؟
وأي هموم داهمت قلبه لم يستطع تحملها حتى أصبح دينه الذي كان يأمل أن يكون عونًا له على حياة سعيدة، وقنطرة لحياة أخروية أكثر سعادة هو أول ما تبخر من صدره كدخان متهالك متصاعد من أخشاب ضعيفة متفحمّة؟
وأي (لا منطق) تزاحم على عقل «الرجل» فلم يحتمله كتزاحم مائة رجل على زورق صغير في لجة فغرقوا؟
وأي أحداث مرت به، وأي مشاهدات تعيسة حالفته قبل هذا المساء حتى بدا الدين بمظهر غير مستقيم مع حياته وأحداثها التي لا مجال فيها للرفق والإحسان والتعقل؟!

أي مصائب الحياة داهمته حتى وصل أمره أن «يبيع دينه بعرض من الدنيا»!
مع أن الدين هو قصة البشرية منذ أول عهدها، وما نزل الأب الأول إلا ومعه تفاصيل كل شيء، لكنه بهذه السهولة قابل أن يتبخر من الأفئدة، بل قابل أن يباع على مائدة ببضع جنيهات.

أظن أن الكلمات لا تعني فساد نفس واحدة بها خلل في إيمانها، بل حالة عامة تدفع بعض الناس لذلك، أحداث لا منطقية تحيط بالجميع لا مخرج منها، ولا استراحة من وطأتها.

انسحق كل إيمان بقلب الرجل؛ إيمانه الديني والوطني والإنساني والاجتماعي، ووصل إلى غاية مظلمة لا يبصر فيه موضع قدميه، وما ثمّ في الأفق بصيص نور.

وكنت أتساءل: أليس وقتها هناك من المثقفين والشيوخ وعلماء الاجتماع من يعظ ويحذر ويذكّر؟
بالطبع سيكون، ولكن كلماتهم ستخرج ضعيفة الصدى، هينة النبرات، لا تقوى على السير أكثر من أذني قائلها، فإن الواقع وقتها لن يُجدي معه ذكر شيء عن عذاب الآخرة إن كانت الدنيا قد تحولت بطبيعتها لجزء من هذا العذاب.

ولن يغني التغني بتراب الوطن عن وخزات الجوع المؤلمة، ولا آهات المرض بلا علاج، ولا عن البحث عن القوت بين صناديق القمامة. وسيكون الجميع فريسةً سهلةً لأي يد مخربة تدمر بهم الحياة، أو ما تبقى منها على الأقل.

إن المجتمع الغارق في نرجسيته، الواهم بزينته قلّما يشعر بالحريق الذي شب بقدميه، والتهم بعضه، فما أسرع أن يصل للرأس، ومهما ادعى البعض أمانًا زائفً،ا أو حصانةً من الحرق فلا يلومن إلا نفسه عندما يسقط الجميع متفحمين.

فإن أسوأ ما ابتليت به الجماعة الإنسانية في قطر ما هو الانفصال الشعوري، والعزلة الطبقية متقطعة الأواصر والروابط والشعور، ومهما ظنت أن ذلك خليق بهم وبغيرهم من سعادة وتعاسة ومن فرح وحزن، فذلك هو الجهل بمآلات الأمور، وخديعة منطقية بأن المصير ليس واحدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد