في الـ 4 من أغسطس (آب) فجعَ لبنان بانفجار هزّ عاصمته، انفجارٌ حصد أكثر من 160 شهيدًا وأسفر عن جرح أكثر من 6000 مواطن ودمّر أكثر من 3000 مبنى ومحل.

الانفجار وإن كان نتيجة فسادٍ النّظام الّذي احتفظ بأطنان من المواد المتفجرة والمحترقة في مرفأ يقع في قلب العاصمة التّي تعجُّ بالحياة والنّاس، فإنّه دون ريب عملٌ مدبّر، ورغم أنّ الصور ومقاطع الفيديو، حتّى شهادات المواطنين كانت تصبّ في إطار القصف الجويّ، ومع ذلك بقيت الدلائل دون إثبات حقيقيّ، لا سيّما مع تنصلّ الكيان من المسؤولية بل ورفض حزب الله تحميل مسؤولية الانفجار لإسرائيل.

مع تضارب التّحليلات، ومع تصريحات كلّ من الكيان والمقاومة والدولة اللبنانية، نقول إنّ «طبخة» حضّرت بترتيب دوليّ أدّى إلى هذا الانفجار الهائل وكلٌّ من الضّارب والمضروب في موقع لا يستطيع تحمّل ولا تحميل المسؤولية لما في ذلك من عقوبات وتدعيات عليهما، ومع الأسف ذهب ضحيّةً لهذا العمل أرواحٌ لا ناقة لها ولا جمل، وكان الشّعب هو المتضرر الأول والأخير في لعبة الدّول الكبرى.

هل كان الانفجار ثغرةً لإعادة هيكلة النّظام السّياسيّ في لبنان بما يتناسب مع المصالح الغربية والأمريكية؟

الحكومة اللّبنانية الحالية حكومة «لون واحد» وهو لون بطبيعة الحال معادٍ للسّياسة الأمريكية في المنطقة وعليه غير مرحّبٍ به، قبل الانفجار كان هناك سعي لإسقاط الحكومة عبر سلسلة من الاستقالات لم تتمّ، حيث لم يستقل سوى الوزير حتّى. أمّا ما بعد الانفجار، وعقب زيارة الرّئيس الفرنسيّ ماكرون للبنان حلّت العقدة وتتالت الاستقالات الّتي طالت الحكومة والمجلس النّيابيّ. وهنا لا بدّ أن نقف عند تبعات زيارة الرّئيس ماكرون للبنان:

١- المواكبة الميدانيّة والإعلاميّة الّتي واكبت الزّيارة وعملت على تلميع صورته أمام اللبنانيّ، مواكبة لم يحظ بها مُمَثلا الدّولة التّركيّة رغم اختلاطهما بالشّعب من جهة وتقديم الدعم الماديّ والصحيّ للدّولة المنكوبة.

٢- الحديث الإعلاميّ عن «وصاية فرنسيّة» على لبنان، وتقديم «ميثاق» جديد بتغييرات جذريّة بأسس النّظام الحاليّ.

٣- اشتعال وسائل التّواصل الاجتماعي بالبوستات المطالبة بعودة «الانتداب الفرنسي».

٤- تغريدة الرّئيس الفرنسيّ «اليوم يتحدد مصير لبنان» عقب المؤتمر المنعقد لتقديم المساعدات الدّولية للجمعيات الأهليّة لإعادة الإعمار وعلاج الجرحى.

٥- تصريح الرّئيس الفرنسي للرّئيس الأمريكيّ ترامب أنّ «سياسة الحصار» يستفيد منها حزب الله.

٦- موجة الاستقالات الوزارية والنّيابيّة، دون وجود بديل «ظاهريّ» وفعليّ عنها.

٧- عودة النّاس إلى السّاحات وتفجُّر الغضب الشّعبيّ من جهة، وسياسة القمع والبطش الّتي لم تزل السّلطة مصرّةً على انتهاجها، فبدل احتوائها للغضب الشّعبيّ تزيده اشتعالًا.

٨- سعي الكوادر الحزبيّة إلى تخوين التّحركات الشّعبية وصبغ كلّ المتظاهرين بصبغة العمالة لجهات خارجية.

٩- الهجمة الإعلاميّة الشّرسة على السّياسيين اللبنانيين.

هذا على الصّعيد اللّبنانيّ، أمّا على الصّعيد الخارجيّ، فلا بدّ من العودة إلى ما قبل انفجار مرفأ بيروت، ببضع شهور:

١- التَفجيرات «المريبة والمجهولة» لمعامل إيرانيّة والّتي اكتفت الحكومة الإيرانية بالتّصريح عنها بشكل خجول ونفي أيّ دور لإسرائيل.

٢- المناوشات الّتي شهدتها مزارع شبعا وكفرشوبا المحتلّة في لبنان في 27 يوليو (تموز) 2020، وتنصلّ حزب الله من المسؤولية مع إصرار الكيان على وجود أدلّة تثبت تدخله.

٣- قصف مواقع لحزب الله وإيران في منطقة الجولان قبل يوم من تفجير بيروت.

٤- قصف غزّة ليلة الـ 5 من أغسطس (آب).

٥- سعي الإعلام الأمريكي للسّخرية من رموز النّظام الحالي وكسرِ هيبته

هذه النّقاط وغيرها تضع الإستقالات الّتي تمّت خلال 24 ساعة موضع شكٍّ وتساؤل. فاستقالة الحكومة الحالية دون بديل واضح تعني وقوع لبنان في الفراغ، مع بقاء الحكومة الحالية كحكومة تصريف أعمال ما يقلل إنتاجيّتها الشّبه معدومة أصلًا. واستقالة النّواب تقف عند حدود «اتخاذ موقف سلبيّ» ومقاطعة المنظومة الحاكمة لكنّها لا تحلّ مجلس النّواب الّذي يُحَلّ بقرارٍ رئاسيّ أو وزاريّ.

والمتابع للسّياسيّة الأمريكية مع وصول ترامب سدة الحكم يدركُ أنّ السّياسة الأمريكيّة بدأت تتخّذُ إجراءات أكثر عملانية لاجتذاذ النّفوذ الإيرانيّ من المنطقة بعد أن عملت طوال العقدين الماضيين بالتّعاون مع إسرائيل على إضعافه. فهل كان تفجير بيروت الذّريعة لخلع العباءة الإيرانيّة عن لبنان؟ هل كان المسرّع لتنفيذ السّياسة الأمريكية في الشّرق قبل الانتخابات الأمريكية الّتي كان البعض يراهن عليها للتّخفيف من حدّة الممارسات الأمريكية على محور المقاومة؟ هل تكون أحداث الـ4 من أغسطس (آب) 2020 كأحداث الـ 9 سبتمبر 2001 حجّة القطب الغربيّ لتنفيذ أجندته والبدء بتقسيم جديد للمنطقة؟ ثمّ هل ستنتهي الاستقالات اللبنانية بحكومة «وحدة وطنية» جديدة على شاكلة سابقاتها وتنتهي الأزمة بشكل سلميّ مع لَيِّ ذراع حلف المقاومة؟ أم أنّ هذا الحلف لن يخلع عباءته ولن يضع سلاحه أرضًا بل سينتهج سياسة حافة الهاوية، فيكون التّفجير لمرفأ بيروت بدايةً لمستقبل دمويّ؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد