ما شهده إقليم كتالونيا الشهر الماضي ربما لم يشهد مثله من قبل، سوى بعد موت الديكتاتور فرانكو بعامين؛ ففي عام 1977 تجمع مليون كتالوني في شوارع برشلونة عاصمة الإقليم، مطالبين بالحرية التي سلبهم إياها فرانكو، وبإصدار عفو عن المعارضين السياسيين وبالحكم الذاتي، الآن تشهد الشوارع نفسها، الطرقات والأحياء اللحظة المصيرية نفسها وربما أقوى.

إقليم كتالونيا هو إقليم يتمتع بحكم ذاتي في شمال شرق إسبانيا يقطنه 7.5 مليون ساكن، على مساحة 32 ألف كيلو متر مربع، سكان الإقليم لهم لغتهم الخاصة، وهي اللغة الكتلانية المستخدمة في التعليم والصحافة والإذاعة والتليفزيون، كما يتحدث السكان الإسبانية أيضًا، إقليم ثري تتعدد مصادر ثرائه؛ فعلاوة على أنه إقليم صناعي يعتمد على تصدير منتجاته، فهو أيضًا إقليم سياحي بامتياز بعاصمته برشلونة التي تعد من أهم الواجهات السياحية في العالم، ويتمتع الإقليم ببرلمان خاص، وقوات شرطة خاصة، وكذلك هيئة بث إذاعي وتليفزيوني، إلى جانب حكومة ورئيس، ولكن الشؤون الخارجية والقوات المسلحة والسياسة المالية مسؤولية الحكومة الإسبانية في مدريد وحدها.

اقتصاديًّا

يمثل إقليم كتالونيا 20% من إجمالي الناتج المحلي الإسباني، سيؤدي الانفصال في رأي بعض المتخصصين إلى خسارة إسبانيا ما تم ذكره سابقًا، ولكن خسارة كتالونيا اقتصاديًّا ستكون أقسى؛ حيث سيؤدي الانفصال إلى خروج كتالونيا من الاتحاد الأوروبي، الذي يرفض تمامًا فكرة الانفصال، بالتالي ستهرب الشركات الأجنبية من الإقليم التي كانت بدأت بالفعل في نقل مقاراتها الرئيسية من الإقليم في مطلع الشهر، وبالتالي ستخضع البضائع الكتالونية للضرائب الأوروبية، مما سيقلل من الطلب؛ لارتفاع الثمن، سيؤدي ذلك إلى إغلاق مصانع، أو تقليل عمالة؛ وبالتالي سيتضاعف معدل البطالة، كما ستدفع كتالونيا 76 مليار يورو ديونًا كتالونية سابقة لمدريد، بالإضافة إلى 200 مليار يورو حصتها من ديون إسبانيا الخارجية، إلا أن رئيس الإقليم قد صرح أن هذه ضريبة الحرية، وهم على استعداد لسداد هذه الكلفة.

التسلسل الزمني للأزمة

يوم الأربعاء 6 سبتمبر 2017، أقرت الأغلبية في برلمان كتالونيا بالموافقة على مشروع قانون بشأن الاستفتاء على استقلال كتالونيا المقرر في 1 أكتوبر 2017.
الخميس 7 سبتمبر، أصدرت المحكمة الدستورية الإسبانية قرارها بعدم دستورية هذا الاستفتاء وشرعيته.
يوم الأحد1 أكتوبر يتوجه الكتالونيون إلى المقار الانتخابية للإدلاء بأصواتهم وسط اضطرابات وأعمال عنف من شرطة الحكومة الإسبانية بحق المتظاهرين، وفي ختام اليوم العصيب يخرج ماريانو راخوي رئيس الوزراء الإسباني بخطاب، أهم ما جاء فيه أن «استفتاء كتالونيا لم يحدث» في إشارة منه إلى عدم اعتراف الحكومة بهذا الاستفتاء.
تم الإعلان عن نتائج الاستفتاء؛ فوفقـًا لحكومة كتالونيا فقد شارك في الاستفتاء 43% من الكتالونيين صوت 90% منهم لصالح الانفصال.

يوم الثلاثاء 3 أكتوبر، ملك إسبانيا فيليب السادس يقول في خطاب متلفز إن الاستفتاء غير شرعي وغير ديمقراطي، وإن قادة كتالونيا يعرضون أمن كتالونيا وكامل إسبانيا للخطر.
بعدها بأيام ظهر كارلوس بوجديمون رئيس الإقليم في البرلمان الكتالوني، وأدلى بخطاب ملتبس؛ حيث قال إنه يجب احترام نتيجة الاستفتاء ورغبة الشعب الكتالوني وإعلان الانفصال، إلا أنه يطلب من برلمان كتالونيا عدم إعلان الانفصال إلا بعد الحوار مع الحكومة في مدريد.
الحكومة المركزية في مدريد أمهلته 5 أيام لتحديد موقف واضح من مسألة الانفصال، انتهت المهلة ولم يرد بوجديمون.

ماريانو راخوي قال إنه في طريقه لتطبيق المادة 155 من الدستور التي تقضي بتعليق الحكم الذاتي وتقصي الرئيس وتعطل عمل الحكومة وتحل البرلمان، رد بوجديمون بأنه لو تم تعليق الحكم الذاتي سنعلن الانفصال.
يوم السبت طلب مارينو راخوي من مجلس الشيوخ الإسباني تفعيل المادة 155 من الدستور، أرسل مجلس الشيوخ الإسباني طلب لحضور بوجديمون لتقديم دفعوه لعدم تطبيق المادة المذكورة، إلا أن بوجديمون اكتفى بإرسال رسالة مفادها أنه لن يحضر.

يوم الجمعة 27 أكتوبر برلمان كتالونيا يصوت على استقلال الإقليم الذي سيأخذ شكل الجمهورية، بعدها بدقائق يجتمع مجلس الشيوخ الإسباني ويصدر قراره بتطبيق المادة 155 وتعليق الحكم الذاتي للإقليم .
وتم اتخاذ قرار بإقالة بوجديمون وحكومته وحل البرلمان وإقالة رئيس شرطة الإقليم وتعيين سورايا دي سانتا ماريا نائبة ماريانو راخوي رئيس الوزراء رئيسة للإقليم.

وتم الدعوة إلى إجراء انتخابات جديدة في الإقليم في 21 من ديسمبر من العام الحالي.

كارلوس بوتشيمون يطالب مواطني كتالونيا بما أسماه «المعارضة الديموقراطية» لتعليق الحكم الذاتي للإقليم.
يوم الأحد 29 أكتوبر، يتظاهر في كتالونيا 300 ألف كتالوني مؤيدين الوحدة الإسبانية بحسب الشرطة الكتالونية، بينما تقول الحكومة في مدريد إن أعداد المتظاهرين تجاوز المليون متظاهر.
النيابة الإسبانية توجه اتهامات بالعصيان والتمرد وإساءة استخدام المال العام لبوجديمون وحكومته، وتطلب القبض عليه للتحقيق معه.

يوم الاثنين 30 أكتوبر، كارلوس بوجديمون وخمسة من وزرائه تركوا كتالونيا واتجهوا برًا إلى مرسيليا ومنها استقلوا طائرة إلى بروكسل.
الثلاثاء 31 أكتوبر المحكمة الدستورية الإسبانية تلغي إعلان الاستقلال الذي أعلنه الإقليم، كارلوس بوجديمون يلقي خطابًا من بروكسل أهم ما جاء فيه أنه حضر إلى بروكسل ليس لطلب اللجوء، ولكن لإيصال صوته إلى أوروبا، إنه مستعد لدخول الانتخابات القادمة التي دعت إليها الحكومة في مدريد، وسوف يحترم نتائجها، وطالب بإبطاء عملية الاستقلال تجنبًا للاضطرابات.

والآن ماذا بعد؟

من الواضح أن الأمور في طريقها للهدوء في الإقليم الساخن، فبعد أن أحكمت الحكومة سيطرتها على الإقليم بدا أن الكتالونيين الساعيين للانفصال ورئيسهم قد رضخوا للأمر الواقع، فقبل تصريحات بوجديمون بتقبله لنتائج الانتخابات التي سوف تجرى فيما بعد، عاد الموظفون إلى اشغالهم بشكل طبيعي بدون أي مشاكل، بعدما كان متوقعًا أن يحدث بعض العصيان المدني من الموظفين تجاه أوامر الحكومة المركزية، ويبدو أن الحلم الكتالوني بالانفصال أصبح مؤجلًا إلى إشعار آخر، قد يكون في الانتخابات التشريعية القادمة، التي يستطيع بوجديمون المشاركة فيها إذا برئ من الاتهامات الموجهة إليه بحسب وزير الخارجية الإسباني ألفونسو داستيس .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كتالونيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد