بقليل من الحظ فشل كل شيء، وبقليل من ذلك الحظ نفسه كان يمكن أن يتغير كل شيء، وما جرى في تركيا كان يمكن أن يمر مرور الكرام و ألا يلقى كل هذه المتابعة والاهتمام المنقطعي النظير لو أنه وقع في بلد آخر ربما غير تركيا، وهذا إن يبرز شيئا فإنه يبين لنا جليا أن هذا البلد «المسلم» أصبح رقمًا صعبًا للغاية في الخريطة السياسية العالمية برمتها.

قد تكون «اللاحرفية» التي تم بها تنفيذ الانقلاب والتي جعلت منفذيه يرتكبون أخطاء ساذجة للغاية، أو حتى توجيه أصابع الاتهام مباشرة لزعيم جماعة كولن القاطن في بنسلفانيا الأمريكية حتى قبل بدء التحقيقات وحتى قبل إعلان فشل المحاولة بشكل رسمي، ثم تليها بعد ذلك حملة الاعتقالات والفصل الواسعة في صفوف أفراد منتمين لسلك القضاء بالخصوص بدعوى تواطئهم مع العملية الانقلابية وانتمائهم لما يسمى بالكيان الموازي بما يوحي بوجود لائحة معدة سلفًا لذلك، كلها تساؤلات مشروعة تجعلنا نطرح أكثر من علامة استفهام كبيرة حول العملية من الأساس.

لكن قد لا يكون الحدث في حد ذاته هو السؤال الأهم أو الأكبر من بين كل ذلك السيل من التساؤلات والاستفهامات المطروحة في زخم كل هذه الأحداث والتطورات المتسارعة في المشهد، لكن ما الذي نعتقد أنه لم يحدث بالذات؟ ثم ماذا سيحدث بعد الذي حدث؟ قد يكونان السؤالين الواجب البحث لهما عن أجوبة شافية وكافية لهما.

فمن المعروف أن الشأن التركي ومنذ بداية الحقبة الأردوغانية لم يعد شأنا معنيا بالأتراك وحدهم فقط، فالوصول بالبلد إلى تحقيق تطور يمكن وصفه اقتصاديا بـ «الإعجازي» وذلك بالنظر لمعدلات النمو الكبيرة، والتطور الاقتصادي الهائل، أو حتى سياسيا وذلك في ظل القدرة على التوليف بين معادلة «إسلام – ديموقراطية»، وهي أمور جعلت من البلد ومن تجربة حزب العدالة والتنمية الحاكم فيه بزعامة أردوغان  نموذجا ملهما وحلما تصبو للوصول إلى مثيله معظم الشعوب في المنطقة.

حيث كان لكل هذه العوامل تأثير مباشر في المساهمة في خلق كتلة بين الأوساط الشعبية في المنطقة خاصة تلك القريبة من التيار الإسلامي رأت في الرجل ذلك الزعيم الملهم والمخلص – للأمة الإسلامية – من كل ما تعانيها من ويلات وتقهقر خاصة في الجانبين السياسي والاقتصادي .

فبروز الرجل – كحامٍ مفترض – للعديد من الشعوب والفئات المضطهدة في العالم العربي-الإسلامي، جعل منه أيقونة ورمزا بمعنى الكلمة للعديد من هذه الفئات، خاصة وأن لا أحد ينكر له مواقفه الشجاعة والجريئة تجاه العديد من القضايا والصراعات في المنطقة، وهي أمور وإن أكسبت الرجل شعبية كبيرة وجارفة، إلا أنها بالمقابل كانت سببا بهوس الرجل بنوع من جنون العظمة التي أصبح بسببها يتصرف بنوع من العجرفة والاستعلاء الزائد تجاه كل من يعارض سياساته كان من إحدى نتائجها أن حدث الذي وقع.

فالذي لم يحدث إذا هو أن نجاح الانقلاب كان يمكن أن يؤدي إلى قلب منطقة الشرق الأوسط رأسا على عقب، وكان سيؤدي إلى تغيير وتحول كلي للمعادلة السياسية ولمجرى الأمور في أكثر من بلد ومحور جغرافي في المنطقة، وبالنظر إلى كون المنطقة هي محور ومركز الصراع والتنافس بين القوى الكبرى في العالم فإنه من الحتمي كذلك أن يصل تأثيرها بشكل قوي ومباشر إلى تلك القوى العظمى.

فعلى اعتبار وجود ارتباط وعلاقة وثيقة «لتركيا أردوغان» بمعظم الصراعات إذا لم يكن جلها من التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط وربما حتى مناطق أخرى عديدة في العالم بدءا من سوريا ومصر والعراق وليبيا وفلسطين وصولا إلى بورما والصومال وأذربيدجان… ومناطق أخرى كثيرة،  بغض النظر عن طبيعتها أو نوع السياسة المتبعة في كل من هذه المناطق، إلا أن سقوط نظام أردوغان لو تم كان كفيلا بقلب معطيات كثيرة في هذه المناطق.

أما عن ماذا سيحدث بعد فشل المحاولة فهذا سؤال يلزمه هو الآخر البحث عن أجوبة شافية ووافية، وإن يبدو أن الثابت من كل هذه الحركية هو أن أردوغان غير مستعد بعد لاستيعاب الدرس، بل الأكثر من ذلك فضل الرجل سياسة الحديد والدم على البحث في أسباب تفكير توجه فئة من جيش البلد للانقلاب على النظام.

فأردوغان لا يريد أن يستوعب بعد أن المحاولة الانقلابية تعني حتما أن هناك شيء على غير ما يرام في تدبير أمور الدولة، واختيار فئة من الجيش الانقضاض على الحكم ما هو إلا ترجمة لاستياء فئات غير قليلة من الشعب كذلك على بعض من توجهاته وسياساته، وبالتالي بدل أن يقوم الرجل بمراجعة ونقذ ذاتي لحساباته، فإنه فضل التمادي في نفس السياسة وبعنف واندفاع أكبر دون مبالاة لكل تلك الأصوات والتوجهات المعارضة له.

فمشكلة الرجل الكبيرة أن مصدر قوته الأساسية أي شعبيته، هي نفسها التي يمكن أن تكون سببا في القضاء عليه، إذ من يعرف الرجل سيجد أنه اندفاعي بشكل كبير، ويمارس السياسة بنوع من الكبرياء الزائد وهذا إن كان يمنح الرجل نوعًا من الكاريزما والشخصية القوية إلا أنه كذلك يمكن أن تخلق له عداوات وخصومات لا تنتهي كانت إحدى نتائجها المحاولة الانقلابية.

فما جرى إذا هو تحذير شديد لأردوغان، تحذير وقد يكون الأخير، ليس فقط لأنه رغم الديموقراطية التي تعيشها البلد فذلك لا يجعلها بمنأى عن الانقلابات، لكن ما جرى قد يكون آخر درس للرجل للقيام بعملية مراجعة ونقد ذاتي شاملة قبل فوات الأوان، وإذا ما استمر الرجل في نفس سياسته التصادمية والاستعلائية ضد كل من يعارضه فنعتقد أنه لن يسلم من الانقلاب المقبل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد