الاشتراكية بطبيعة الحال فكر تنويري ينظر للواقع والمرحلة بوجهات نظر متعددة لم ينحصر ذلك الفكر أو حتى يتقوقع بين إطار واحد، وإنما يحاول أن يقدم مبادئه كمنهج صحيح لإصلاح المجتمعات والشعوب معًا، حتى تصبح الحياة متوافقة عند الجميع على أُسس العدالة الإجتماعية المتساوية المنصفة لكل الطبقات الفئوية داخل المجتمعات.

هكذا ربما تحاول المبادئ الاشتراكية وفكرها أن تعمل على إيقناع الأمة والشعوب على العمل بها لتكون هي النظام المعمول به داخل البلدان التي تؤمن بالأحقية فيما يخص الحرية العامة في جميع المجالات، والعمل الجماعي، وأيضًا الملكية العامة، وليس الخاصة، وهذا هو هدفها السامي في كيفية الخلاص من الملكية الخاصة وإنحصارها في نطاق الدولة فقط مع التوجه نحو المليكة العامة والتي تكون الدولة وحدها هي من تتحكم بالإستثمار والعجلة الإقتصادية داخليًا وخارجيًا  بعيدًا عن الفكر الراسمالي المقت الذي هو أيضًا يعتبر نظام منافس بدرجة كبيرة للنظام الاشتراكي.

وحتى نقرب الرؤية يجب أن نعطي فكرة واضحة عن النظام الاشتراكي وماهياته وهل هو فعلًا نظام مُنصف للشعوب، أما أنه مجرد فلسفة وثقافة بعيدة جدًا عن السلوك والتطبيق تمامًا؟ هذا ربما ما نريد أن نعرفة من خلال الفلسفة والسياسة والفكر.

الأغلب يحاول أن يصور بأن النظام الاشتراكي هو فعلًا نظام مثقل بالفلسفة والتهريجات الغير نافعة للشعوب، وبأنه نظام غير صالح للتعايش ونظام كثرت فيه المواد الجدلية والنصوص الفلسفية المعقدة على انه مجرد ظاهرة مجتمعية تستطيع أن تمارسها من خلال ثقافة مكتسبة محصورة في حفظ وتلقي المصطلحات الصعبة في مجالس الرفاق، هكذا ربما قد يكن تم فهم الاشتراكية بمنظور العامة خاصة في ظل الدور الكبير الذي تلعبه وتمارسة الرأسمالية التي استطاعت أن تعطي انطبعات قوية في التعاطي مع الأزمات، ومنها الأزمة الاقتصادية الأخيرة مع الترويج لفكرها المادي وبأنه الأقرب لاستمرارية سبل العيش والحياة بغض النظر عن سلبياته.

الاشتراكية كفكر يحث على فهم سلوكيات الإنسان وبأنه هو الطريق الوحيد لتشكيل البيئة الاجتماعية على اعتبار أن الفرد هو من يجب استثماره قبل كل شيء، كذلك فإن الاهتمام والحث على تطوير الإنسان وتثقيفه فيه فائدة كبيره للبدء في إحداث التغير من العدم لأن الإنسان هو المحرك والمشغل الاول لعجلة التنمية والنضهة الحقيقية ودونه تظل المجتمعات قاصرة في عملية التغير والتحديث.

لكن أحيانًا نرى إن الفكر الاشتراكي ينحرف عن رسالته ومنهجه عندما يكون مجرد ممارسة طقوس سياسية لا غير، وأحيانًا أيضًا نستشعر بأنه يولد الفقر ويحث على التخاذل في التعاطي مع المشكلة أو الأزمة، وبالذات في المجتمعات النامية مثلًا عند بعض الدول العربية التي تحاول أن تجعل نظامها كنظام اشتراكي بالاسم،أما كسلوك ومبدى معمول غير وراد، ومن خلال تعاملة الهزيل مع الموارد البشرية والمادية نسطتيع القول : بأنه تم دمج مبادئ الرأسمالية مع مبادئه؛ فأنتجت جيلًا تواكليًا متكاسلًا تجاه عمله بسبب تعاطيه مع مجريات المرحلة بعفوية بعيدًا عن الحزم والجدية، رغم أن العمل والكفاح هو أساس الحركة الاشتراكية عند الشعوب التي تؤمن بها كمبادئ وسلوكيات لا يجب التفريط فيها مهما كانت ظروف وطبيعة الواقع والمرحلة.

إذا نظرنا للنشئة الأولى للحركة الاشتراكية وبالذات عند الماركسين وهم روادها وأصحاب الفكر، سنجد بأن هناك سياسة وفلسفة في الغالب هي إرث فكري وثقافة سامية يصعب فهمها عند العادين وهي أن العدالة الإجتماعية أساس الفكر الاشتراكي والذي تعني الاختفاء التام لكل الامتيازات والمحسوبيات وظواهر الرشوة والوساطة، بمعنى أنها سياسة فيها تتكافأ الفرص، وأصحاب الكفاءة هم أولىٰ من يستحقون المناصب المهنية الكبيرة، وما بعدهم يأخذون ما تبقى من مناصب تليق بكفاءتهم ومستوى قدراتهم، هكذا إذًا تنظر السياسة الفكرية للاشتراكية بعيدًا عما يروج له الفكر الراسمالي في أوروبا وأمريكا.

ينظر الماركسيون ورواد الفكر على أن العدالة الاجتماعية ليست فقط مجرد مثال أخلاقي بحت، وإنما هدف رئيس، ومن أهداف الاعتناق للفكر الاشتراكي ومحاولة التمثيل والتلفظ بالفكر، دون التطبيق، يعتبرها ترهات يأسه لا نفع فيها، وهذا هو الحاصل بالضبط في المجتمعات التي تحاول تقدم نفسها بأنها مجتمعات تسير وفق رؤى وسياسة اشتراكية، وأيضًا بعض الأحزاب التي تروج لسياستها بأنها سياسة اشتراكية خالصة، رغم أنها عجزت عن تطبيق مبدأ واحد من مبادئها، فقط سياستها مجرد تفخيخ عقول شبابها وكوادرها بثقافة الحزب وإملاءات السياسة الخاصة بها مع الاكتفاء برفع الخطابات المألوفة، والتي أصبحت هي فعلًا عادة سيئة لا ترتقي لهدف الفكرية الاشتراكية.

الاشتراكية ومبادئها ليست فقط ثقافة وقراءة كتاب وفلسفة تطغي عليها المصطلحات الغريبة والأحاديث الساذجة، إنما نهج ورؤية موحدة تدعو إلى نظام اقتصادي يمتاز بالملكية الجماعية لوسائل الإنتاج والإدارة التعاونية للاقتصاد؛ أو هي فلسفة سياسية تدافع عن هذا النظام الاقتصادي، هكذا جاء تعريفها في أمهات الكتب والمراجع الدقيقة بعيدًا عن الوصف والسرديات التي يحاول بعض الرفاق التغني بها في كل محافل ومجالس حياته.

الشعوب اليوم لا تحتاج فلسفات كلامية مرهقة للعقل والذاكرة، ولا تحتاج لنظام اشتراكي أو ليبرالي أو إمبريالي، وإنما تحتاج لنظام اقتصادي يحقق الفعل والعمل على تحقيق العدالة والاستقرار ويوفر الأمن الغذائي لسنوات قادمة مع القضاء على كل عوامل البطالة خاصة في ظل تفاقم مشكلة الفقر المدقع، وارتفاع معدلاتها نتيجة استمرار العصف الاقتصادي والغلاء المعيشي الحاصل في أغلب الشعوب التي تعاني الحرب والأزمة منذ سنوات.

لا حديث عن فكر اقتصادي ناجح قائم على الاشتراكية في ظل دول لا تقدر العمل به، قد تجد هناك دول تتظاهر على إنها اشتراكية ومن خلال أفعالها وتحركاتها تجدها تتعاطى بشكل لا يتصور مع الرأسمالية في تعاملاتها في الاستثمار وتقسيم الثروة والحرية الإقتصادية المحصورة بين جماعات مارقة وبين دولة يمثلها أشخاص مثقلين بالفساد المؤسسي والعبث اللامتناهي بالخيرات الوطنية.

بطبيعة الحال الفكر الاشتراكي يحاول أن ينتقد الراسمالية بوصفه بأنها عبارة عن قوة تحاول حصر الثروة في قطاع واحد من المجتمع بحيث يعمل هذا القطاع والذي يمثل جماعات رأسمالية على التحكم بوسائل الإنتاج من خلال الاحتكار، أي أنه عبارة عن نظام استغلالي مبتز لحاجات المجتمعات، وغير منصف للطبقات الأقل دخلًا، وغير القادرة على شراء أدنى متطلبات الحياة المعيشة.

النظام الاشتراكي إذا لم ينجح في صناعة النهضة الحقيقة للشعوب مع توفير سبل العيش الكريم للفرد، وتقديم نوع من الرفاهيه يعتبر نظامًا فاشلًا بكل ما تعنية الكلمة؛ كيف لا؟ وهذا هو أول ما دعا إليه مؤسسي الفكر ورواده بدءًا من الرفيق فريدرش أنجلز الذي أعطى اهتمامًا واسعًا مع تسخير جل جهده في فهم ودراسة معانات الطبقة العاملة؛ حتى استطاع في نهاية المطاف تأسيس نهج نضال الطبقة العاملة سياسيًا بمساعدة رفيق دربه كارل ماركس الذي حاول أيضًا أن يعطي انطباعاته ووجهات نظرة من ناحية علمية جدلية.

لماذا هكذا كان اهتمام أنجلز ورفيقة كارل في الطبقة العمالية؟ أليس هذا هو هدف الاشتراكية الفكرية الذين كانوا يسعون لأجله في نضالهم وكفاحهم من أجل  النصر لحال البسطاء ومحدودي الدخل والانتصار لمظلومية الشعوب التي عانت ولا زالت تعاني من قهر واستكبار النظام الراسمالي الذي هو اليوم في ازدهار مستمر، رغم كثرة أخطائه وسلبياته تجاه الشعوب المستضعفة.

سياسة الفكر الاشتراكي سلطت الضوء بكل أبجدياتها الفلسفية على معاناة البروليتاريا؛ لأنها تدرك جيدًا مدى الظلم والقهر الذي تعانيه، عكس اليوم أصبحت سياسة الكثير من معتنقين الفكر يحاولون فقط التهريج بالفلسفة والإعلان دون خجل بالتباهي بالأقوال والمناظرات الساذجة عبر منابر الإعلام والشاشات، هكذا بدأت تظهر الاشتراكية بحلتها المخجلة التي لا تحاول أن ترتقي لمستوى الفكر والهدف الذي جاءت من أجله.

نحن نؤمن بأن الاشتراكية اليوم أصبحت لغة خطاب وفلسفة مملة عند كل الذين نبذتهم الحياة والحياة العملية؛ بسبب رداءة الفكر الذي يحاول تشكيل المبادئ الاشتراكية الصحيحة، كما أنهم يريدون بعيدًا عما جاء به أنجلز وكارل، وفلاديمير لينين، و كارل كاوتسكي، وغيرهم من الأفراد الذين حاولوا أن يصنعوا الفكر التحرري والتقدمي معًا بعيدًا عن الاستعباد وتقييد الحريات مع الانتصار للكرامة الإنسانية التي كانت عندهم تعتبر مقدسة، وواجب النضال من أجلها، مهما كانت درجة التعقيد في تلك المرحلة.

الفكر الماركسي بذاته كان يحاول أن يرفض الفلسفات العابرة، ويكرس الهدف في تفعيل دور العمل والكفاح وتوفير فرص العمل المتساوية لجميع الطبقات الفئوية داخل المجتمع دون تمييز أو محسوبية، هكذا إذًا كانت تبدو السياسة فعاله في تحقيق الهدف، وليس كما هو حاصل اليوم هرج وشطحات فلسفية لا فائدة منها، بل زاد من المعاناة والبؤس، والتشظي بالعيش والحياة.

حثت منهجيات وفلسفات الفكر الاشتراكي على العمل والنضال بالسعي نحو التحقيق مع توفير الحماية والحقوق كافة للطبقة العاملة، وهذا جاء به تحليل أنجلز، وأكد عليه كارل عندما رفض الاشتراكية الخيالية، وقال بأنها ستقود الشعوب وبالذات البسطاء للتهميش والفقر، ولا داعي من العمل بها، بل يجب التوجه نحو النظام الاقتصادي المقنن الذي هو أساس لفعل التغير الحقيقي مع تحقيق جزء من الغنى الوسطي داخل المجتمعات.

هنا يمكن أن نقول: إن الفكرية الاشتراكية أنتجت للشعوب الكسل والتخاذل والتسويف فقط مكن العاطلين من الفلسفة والأحاديث التي لا ترتقي لتكون أصلًا نابعة من فكر فرد يحمل الفكر الاشتراكي الذي هو أساس الفكر المستنير الذي يقرأ تفاصيل المرحلة بدقائقها.

ربما هذا ينطبق على البلدان العربية التي حاولت أن تجعل نظامها نظامًا اشتراكيًا مختلطًا في ظل وجود رفض معلن من قبل معارضين في سياسة الحكم داخل الوطن، ولكنه فشلت في تحقيق جزء بسيط من الهدف، وهنا انتصرت الرأسمالية في تغييب دور الاشتراكية؛ لأنها وحسب ما جاء فيه ماركس بأنها تتميز بالاغتراب والاستغلال والإحباطات الدورية المتكررة التي أدت إلى زيادة في ارتفاع معدلات الفقر والبطالة في المجتمعات، وهذا ما أعطاها أن تصنع رضا، وتقبل عند أغلب الدول في العالم المتقدم باستثناء روسيا والصين وكوبا وفيتنام التي ظلت تعمل بمبادئها الاشتراكية والشيوعية بعيدًا عن ضرر الرأسمالية التي رفضته ليكون كنظام صالح يسير أمورها الاقتصادية.

أيضًا كارل ماركس لم يُخيب تصريحه حين قال: إن الرأسمالية تميزت بخصائص تطوير عالمية صناعية ثورية والنمو والتدرج، أي أنها أعطت اهتمامًا كبيرًا في التطوير والصناعة والتقدم التكنولوجي والعلمي، وأتاحت الفرصة لمزيد من الصناعات الثقيلة مع اعتبارها إحدى أقوى الطبقات الثورية في التاريخ؛ بسبب أنها كانت مستمرة في التطوير والتحديث وتقديم نوع من الإنجازات العلمية عكس الاشتراكية التي تراجعت بشكل ملحوظ خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي الذي كان يعتبر تجمعًا قويًا لتطبيق مبادئ النظام الاشتراكي كما جاء به مؤسسوه.

ربما تطبيق الفكر الاشتراكي داخل المجتمعات العربية فيه نوع من التعقيد بسبب عدم تقبل كثير من المجتمعات أولها الجماعات المتشددة والتي تنظر إلى أن العمل بالاشتراكية يقود الشعوب لمزيد من الانفتاح والتحرر مع التفريط ببعض العادات والتقاليد المجتمعية، وهذا هو ما جعل الشعوب العربية تتخوف من التعامل مع الفكر الاشتراكي، رغم أني أرى أنه فيه نوع من المرونة فيما يخص العدالة والمساواة والتقسيم العادل لخيرات البلد عكس بعض الأنظمة التي تحاول أن تهمش دور العنصر البشري مع إقصائه من كل المشاركات والفعاليات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد