يُؤذِيني تصوُّر أن شخصًا ما ضغط زرًّا ما، ليقتُلَ أناسًا آمنينَ في مكانٍ ما، ثم يعود إلى منزله مطمئنًّا وادعًا، شاكرًا اللهَ أن مكَّنَه من أن يرسل إليه أناسًا للحشر في النار!

يؤذيني أن مثل هذا الشخص موجود بيننا، ويؤذيني أكثر أنه يقتل نفسه (فوق البيعة) طامعًا في الشهادة.. نعم، الشهادة! التي أرسله رجل (لا يريدها) ويراه هو الأولى بها، بالرغم من إيمان هذا المرسِل بأنه (لا إيثار في القربات)، أي لا تفضيل لأحد في طاعة الله، فالأصل العزم في العبادات، وإيثار النفس بها، لكنها «عبادة» مميتة تناسب ذوي العقول المتوسطة.

سئُل الشعراوي يومًا عن رجل يفجِّر نفسَه في وسط (كفار) ما حكمه؟ فأجاب: أليس يريد الشيطان أن يلقيَ بالناس في النار، ويريد المفجِّرُ أن يرسل الناس إلى النار، فما الفرق بينهما؟!

نشرتُ على صفحتي الفيسبوكية منشورًا قصيرًا نصُّه «المسلم من سلم الناس من لسانه ويده»، فردَّ علي صديق بأن جميع الأديان تحثُّ على القتل، الأديان لم تقدِّم شيئًا للبشرية سوى الدماء والقتل. وبالرغم من تقديري لحالة السخط التي انتابته جراء الحادثين البشعين في مصر: تفجيرَيْ طنطا والإسكندرية، وعدم تخصيصِه الدينَ الإسلاميَّ بالحديث، مثل بقيةِ المنفعلينَ العاصفين، فإنني فكرتُ فيما يمكن أن يكون إجابة عن سؤال من هذا النوع، دون شعارات معتادة، ودون أرشيف حفظناه، وكذلك دون التعرُّض لمسألة صحة الدين في خطاب صديقي غير المؤمن بالأديان أصالة. السؤال إذن: ماذا قدَّمَتِ الأديانُ للبشرية؟!

والسؤال على بساطَتِهِ محيِّر إذا تجنبنا المحظورات السابقة.. والسكوت غير مقبول ها هنا؛ لأنه يعني ببساطة أن الدين انهزم أمام أبسط سؤال من الممكن أن يوَجَّه إليه، وهو: ما الفائدة؟!

لذا فكما كان السؤال استثنائيًّا، حاولتُ أن أصوغَ الإجابة استثنائيةً، فكانت كلمةً واحدةً: الأمل!!

قدَّمت الأديانُ للبشرية الأملَ يا صديقي، عندي بعض المشكلات في عملي، مثل كثيرين غيري، وربما مشكلات عائلية، واضطرابات نفسية، وألم من ظلم أستشعره، لو فَقَدَ الناس الأمل في أن ثمة حياةً أخرى، وحسابًا لمن ظَلَم، وإنصافًا لمن وقع عليه الظلم، فالموت أهون، لذهبت البشرية إلى أتون الانتحار زرافاتٍ، جماعات أعني، ووحدانا. لطغى من يستطيع، على من لا يملك، نلمح شيئًا من ذلك في بيت المتنبي:

ولو أنَّ الحياةَ تبقى لحيٍّ     لعَدَدْنَا أَضَلَّنَا الشُّجْعانَا

نعيش مع حقيقة أننا ندفن كلَّ يومٍ عزيزًا.. قريبًا غاليًا، أو رجلًا صالحًا يترك وراءه أطفالًا صغارًا يبكون، أو طفلًا رضيعًا تنفطر النفس بموته، لو لم يكن لدى الأهل أمل بلقاء قريب، لصارت الأرض ساحة صراخ ولعنة!

لاحظ أنني لستُ أناقش صحةَ الأديان ها هنا، فهذا أبعدُ من هذا المقال المبسَّط.

الأصل في الأديان أن تقدِّم وصفةً لعلاقة الشخص بربه، وكيف يتذرع بالخلق الطيب، ويتوسل بحسن المعشر، وعمارة الأرض.. مَن يُخرِجون الدين عن هذا الإطار هم المتطرفون حَتْمًا، الذين لو لم يكن ثمةَ دين في الأرض، لوجدوا من يقتلونه تحت أي اسم آخر، وأي دافع مختلَق.

الدين هنا ليس الدافع.. هو الغِطَاء، مثلُه مثلُ جميع المذاهب التي تطرَّفَ بعض أصحابها.. لو عدتَ بالزمن يومَ لم تكن هناك أديان، ألَمْ يكن هناك قتلٌ تحت ذرائع وحجج؟!

القتل ملازِم للإنسان منذ أن وطئت قدماه الأرض.. وهو أشبه بصفة بدائيَّة جاء الدين ليهذبها ويرشِّدها في الدولة أو الحاكم، جاء ليحفظ (الدين)، مبدئًا لصياغة الشريعة.

يا عزيزي، من يتخذون الدين مطية لتحقيق أغراضهم في القتل والرقص على أحابيل السياسة سيفعلون ذلك بأي حجة أخرى، وأتباع الأديان في مجملهم لو رشَّحتَ منهم عدد المتطرفين فلن تجدهم يمثلون أكثر من ربعٍ في المليون، وهي نسبة ضئيلة جدًّا، وهي أقلُّ من نسبة المنحرفين غير المتدينين في كل دولة.

الدين يعطي الأمل يا صديقي.. والأمل يصنع كل شيء!!!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد