من منا لم يسمع أغنية الراحل العظيم الشيخ إمام التي أعقبت نكسة 1967 والتي كان يحث فيها الجنود المصريين على المثابرة والثبات والانتقام من العدو وتحرير الأراضي التي احتلت.

تلك الأغنية التي حملت اسم “واه يا عبد الودود” لخصت كفاح شعب ضد الاحتلال؛ فعبد الودود هو مجند مصري من الصعيد يخاطبه أبوه الفقير الذي وهب أبناءه لتحرير مصر، فابنه هذا على الجبهة، والآخر شهيد، وابنته متطوعة لتمريض المصابين. هذا كان حال شعبنا المصري تحت وطأة الاحتلال، لكن شيخنا الرائع لم يذكر ماذا حدث لعبد الودود بعدما حرر أرضه في 1973.

الحقيقة أن عبد الودود لم يعد إلى أحضان أبيه، ولكنه أصر على أن يكمل تحرير باقي الأرض المحتلة في فلسطين، ولكن قائده رفض وقرر أن يوقع اتفاقية سلام مع العدو، نعم اتفاقية سلام تعترف به وتعترف بأنه صاحب الحق في باقي الأراضي المحتلة، لكن عبد الودود قرر أن لا يستسلم وأن يظل يحرس حدودنا الشرقية في انتظار قائد جديد يعي أبعاد القضية فيهمّ لتحرير باقي الأرض.

ولكنه ما لبث أن لم يستطع القبول بقتل زملائه من الجنود أمام عينيه، وقاتلهم يقف أمامه ضاحكا ولسان حاله يقول هذا ما جنيتموه من توقيعكم على تلك المعاهدة، فأمسك بسلاحه وفتح النار على العدو فأردى مواجهيه قتلى، ولكنه وياللعجب حُوّل بعد ذلك إلى المحاكمة بتهمة لا أعلم ما هي، فهو لم يستخدم إلا حقه في الدفاع عن نفسه وعن وطنه.

المهم أن عبد الودود مات في سجون بلده وليس في سجون العدو، وهو أمر لو تعلمون عظيم. مات عبد الودود في تلك اللحظة التي قتل فيها سلمان خاطر في سجون مصر بعدما انتقم لموت زملائه، وهو أمر من المفترض أن يجعل منه بطلا قوميا لا ينسى، ولكنه لكونه عبد الودود ذلك الجدع الفقير، قتله الجنرالات وقدموه قربانا لآلهتهم الجديدة على الحدود الشرقية.

انتهت رحلة عبد الودود هنا، وبدأت رحلة أخرى لشخص آخر هو أيضًا ويا للعجب من نفس الطبقة الفقيرة التي ينتمى إليها عبد الودود، ولكنه يختلف عنه في كونه جاهلًا لا يعي أبعاد القضية التي من المفترض أن يقاتل من أجلها، ولكنه حتى وإن صادفه الحظ وأدركها فإنه لا يملك السلاح الذي يستطيع أن يحمله ليضحي بعمره من أجلها، فقادته قرروا أن لا يسلحوه حفاظا على أرواح الأعداء.

المهم أن هذا الشخص تعرض للعديد من الكوارث في تنشئته جعلته لا يفكر إلا في المادة فمستقبله لا يقاس إلا بكم المال الذي يحصله، فهو لا يدخل الجيش إيمانا منه بضرورة تحرير الأراضي المحتلة من الأعداء، فقادته لم يقولوا له أن هنالك أراضيَ محتلة، فتلك الأرض التي كانت يطلق عليها اسم فلسطين قديمًا هي ملك لليهود منحها الله إياهم، وهؤلاء الفلسطينيون لا يملكون أي حق فيها.

هكذا صوروا له المحتل على أنه صاحب حق، ولكن إن لم يكن هنالك دافع فلماذا يضيع سنينَ من عمره هو أولى فيها بتحصيل المال الذي يراه كل شيء، فربط كل شيء مدني بتأدية الخدمة الوطنية حتى وإن كانت خدمتك العسكرية الوطنية هي مجرد عامل في محطة بنزين لخدمة الجنرالات وتقوية مركزهم المالي.

هذا هو دافعه أن ينهي فترة تجنيده حتى يستطيع أن يعمل بوظيفة جيدة يتحصل من خلالها على راتب جيد يستطيع من خلاله أن يدعم مركزه المالي، فهو لا يساوي إلا مقدار ما يحصله من هذه الأوراق القطنية اللعينة، هكذا يعتقد خليفة عبد الودود؛ فهو غير مستعد في كل حال من الأحوال للموت أو للقتال الحقيقي الذي يعرضه لاحتمالية الموت، فهذا ضد معتقده فالمال كل شيء ولا سبيل لتحقيقه إلا بالحياة. ولكن لا مانع عنده من الاستعراض بقتل أناس هو متأكد أنهم لن يشكلوا خطرًا عليه فهم عّزل يحملون الورود أو يهتفون في مظاهرة سلمية.

يتساءل الناس لماذا هرب الجنود في كرم القواديس من الإرهابيين؟

وماذا حدث في الكتيبة 101؟ وماذا يحدث في سيناء؟

أقول لهم أن ما يحدث هو أن خليفة عبد الودود هو من يعيش الآن وليس عبدالودود، وإذا أردنا حقا استعادة ما كان لنا في السابق من قوة وهيبة فعلينا أن نحيي عبد الودود من جديد، وندعنا من السلام المزعوم الذي لم يأتِ علينا إلا بالخراب، علينا أن نصحح بوصلتنا فالعدو هو هو العدو لم يتغير منذ عام 1948، فلا تلهوا أنفسكم في أشياء ليست ذات جدوى. فنحن لازلنا نذكر دماء أسرانا الذين دفن بعضهم أحياء وداست آليات الصهاينة على بقيتهم.

اطمئنوا، لازلنا نذكر أطفالنا في مدرسة بحر البقر الذين كانت دماؤهم وقود النصر في 1973، فداعش وجبهة النصرة وأمثالها ما هي إلا أذرع للأخطبوط فلا تكترث في بتر يديه، بل وحِّد قواك لقلته في رأسه، وحينها تلك الأذرع لن تكون لها أية قيمة. وتذكر أن العدو هو إسرائيل وليست كتائب القسام، فلا تخدعونا وتخدعوا أنفسكم، ووحدوا الصفوف في مواجهة الصهاينة إن كنتم حقًا وطنيين ولا تفرقونا نحن أبناء الوطن الواحد كما تفعلون الآن. حينها فقط ستنتصرون على الإرهاب في سيناء، وحينها أيضًا سنكون كلنا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد