دراسة علمية لأثر الغضب على كشف المستور اثناء حدوثه.

مقدمة

في كتابه «المشاعر: الخطوط العريضة لنظرية»، طرح جين بول سارتر فكرة مفادها أن الإنسان، عند شعوره بالغضب، «يختبر ضعفًا في العوازل التي تفصل بين طبقات الذات العميقة والسطحية». فكرة طبقية الدماغ البشري التي وفقًا لها تتكون الذات البشرية من طبقات تختلف من حيث بعدها عن السطح النفسي الظاهر لنا هي فكرة معمول بها حاليًا في علاج المشاكل المرتبطة بالموقف الضمني (غير المعلن عنه) والصريح. ولأن الاثنين يختلفان عن بعضهما البعض في معظم الأحيان، ازداد فضول الباحثين حول سبب هذا الاختلاف مما حفز جهدًا بحثيًا معتبرًا حول هذا الموضوع. هدف هذه الدراسة البحثية هو اختبار الفرضية المستوحاة من سارتر التي تنص على أنه في حالة الغضب يتلاشى إلى حد كبير العازل بين المواقف الضمنية والعلنية مما يؤدي إلى تعبير الأخيرة عن المواقف الضمنية المستترة للشخص الغاضب. أي بعبارة أخرى، هدف هذه الدراسة البحثية هو اختبار الفرضية القائلة بأن الإنسان في حالة الغضب يعبر علنيًا عن مواقفه المستترة بصدق كبير جدًا دون تجميل.

خلفية عامة

رغم كثافة استخدامه، تختلف تعاريف الموقف الضمني من حيث الخصائص المرتبطة بهذا المفهوم. في هذه الدراسة تم تبني التعريف الذي اقترحه بيرترام غاورونسكي في نموذج التقييم الارتباطي-الاقتراحي حيث عرف الموقف الضمني على أنه عاكس لمخرجات عمليات الربط الإدراكي للموقف المقيم من طرف الإنسان والتي تتضمن تفعيل ارتباطات عقلية نابعة من الذاكرة. لتبسيط الأمر، الموقف الضمني هو تقييم يحدث بشكل لا واع لمحفز أو مجموعة محفزات خارجية استقبلها الإنسان يتدخل فيه ما تراكم في ذاكرته من بيئته الخارجية حول هذا المحفز كمعيار حكم. هذا التدخل يؤدي إلى عدم موضوعية الموقف الضمني ككل.

على سبيل المثال لا الحصر، ينتج عن عرض صورة علم داعش على مواطن عربي عالم بما يجري من أحداث وعلى مسلم يعيش في قرية ماليزية منعزلة عن الإعلام والأحداث تقييمين ضمنيين مختلفين تمامًا. فالأول سينتج تقييمًا ضمنيًا سلبيًا نتج عن ربط العلم بالمذابح والكوارث الإنسانية التي تراكم في ذاكرته ارتباطها بما يمثله هذا العلم، اما الثاني فقد يشكل تقييمًا ضمنيًا معاكسًا تمامًا كون لفظ لا إله إلا الله محمد رسول الله الذي يتوسط العلم ارتبط في ذاكرته بحب الله ورسوله والجنة الذي يصنف في خانة الخير بالنسبة له مع الملاحظة أنه في كلا الحالتين لم يتم تقديم اي خطاب منطقي لعقل الشخص الواعي بل تم فقط عرض العلم.

بالتالي فرغم أن الإنسان لا يمكنه الشعور بعمليات الربط التي تحدث أثناء بناء الموقف الضمني نتيجة لكونها تحدث بشكل لا واع، إلا أنه يستطيع الشعور بهذا التقييم عبر المشاعر الباطنية التي يختبرها أثناء التعرض للمحفزات المرتبطة بهذا الموقف والتي قد تكون إما إيجابية كالسعادة أو الرضا أو سلبية كالغضب والحزن. أما الموقف الصريح فهو موقف يكونه الشخص بوعي تام بناءً على عوامل عدة أذكر من ضمنها العقل الجمعي، المعطيات المحيطة بالشخص، مدى التناقض المعرفي للموقف داخليًا وخارجيًا، بالإضافة لعوامل أخرى قد تجمع كلها تحت تسمية «عوامل إيحائية» تلقاها الفرد من بيئته. ويعتبر هذا الموقف إلى حد ما موقفًا تقييميًا للموقف الضمني، حيث يعمل على إما التصديق أو عدم التصديق عليه.

من الدارج جدًا أن يتعارض الموقف الصريح مع الموقف الضمني بشكل كبير. على سبيل المثال لا الحصر وبغض النظر تمامًا عن رأيي الشخصي في القضية، قد يجد شخص عربي يتبنى بشكل صريح إعلان حقوق الإنسان الدولي نفسه غير مرتاح على الإطلاق للتعامل مع الشواذ جنسيًا على المستوى الشخصي رغم أن حرية اختيار التوجه الجنسي هي جزء لا يتجزأ من الإعلان الذي يتبناه. هذا قد يعود غالبًا للمحفزات التي استقبلها هذا الشخص ضمن مجتمعه والتي نعتت الشواذ بما أنزل الله في الخمر مما شكل لديه موقفًا ضمنيًّا لا واعيًا لا يدري هو بحد ذاته أنه يؤثر على تعامله.

في هذه الحالة، يخلق عدم تصديق الموقف الصريح على الموقف الضمني حالة من الضغط العقلي تدعى بالتنافر المعرفي، حيث تتعارض ردة فعل الشخص التي يحركها الموقف الضمني مع الموقف الصريح الذي يتبناه بناءً على الوعي مما يدفعه إلى اتخاذ إحدى أو مجموعة من الإجراءات السلوكية للحد من هذا الضغط أو إنهائه قد يكون أكثرها انتشارًا هو تجاهل أو إنكار وجود المعطيات السلوكية المتعارضة مع التزامه الواعي بحقوق الإنسان. إلا أن هذا التصرف لا يلغي استمرارية وجود الموقف الضمني ضد الشواذ.

بالتالي فإن هناك فصلًا معينًا بين الموقف الضمني والموقف الصريح لشخص اتجاه محفز أو موقف معين وتحول الموقف الضمني إلى موقف علني يعتمد بشكل أساسي على مصادقة العقل الواعي على هذا الموقف أو مدى فعالية منظومة الفصل بين الموقفين.

في دراسة نشرت عام 2009، أكد فريق علمي بقيادة د. هنتسينغر أن المشاعر العاطفية، بما في ذلك الغضب الذي تماثل تأثيراته على الإدراك إلى حد كبير تأثيرات الفرح، تؤثر بشكل مباشر على عملية المصادقة التي يقوم بها العقل الواعي على الموقف الضمني بما قد يحوله إلى موقف صريح. على سبيل المثال، في دراسة حول تبني الأفراد للصور النمطية، بينت دراسة أجراها د. بودنهوسن في مطلع التسعينيات من القرن الماضي أن الغضب يؤدي بشكل ملحوظ إلى زيادة قابلية الشخص لتبني الصور النمطية بشكل مماثل للفرح. تطرح أمامنا هذه الحقيقة العلمية في إطار هذه الدراسة تساؤلًا مهمًا جدًا: لماذا يؤثر الغضب على مدى تعبير الموقف الصريح بكل تجلياته على الموقف الضمني المستتر بهذه الطريقة؟

لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال قبل إلقاء نظرة على أنماط التقييم وشعور الغضب بحد ذاته. يعتبر الغضب شعورًا معقدًا نسبيًا حيث إنه يجمع بين عاملين أساسيين حسب إدراك الشخص الغاضب هما عدم الرضا عن النتائج غير المرغوب بها المتولدة عن الموقف المغضب وعدم الاتفاق مع الأفعال الجديرة باللوم التي أوصلت الموقف إلى هذه النتيجة. بناءً عليه، فإن الشخص الغاضب يعتبر نفسه في لحظة الغضب في موقف معنوي أعلى أو أكثر صحة من المغضوب عليه. ومنه، فرغم أن الغضب شعور سلبي، إلا أنه شعور يترافق مع ارتفاع في مستوى ثقة الغاضب في وجهة نظره أو موقفه بحسب بحث أجراه د. كلور عام 2009 حيث أوضح أن هذه الظاهرة قد تحدث حتى لو كانت وجهة نظر الغاضب بالنسبة لشخص محايد غير منطقية على الإطلاق. يؤكد علم الأعصاب الفكرة الأخيرة، حيث إن شعور الغضب يترافق معه ازدياد في مادة التريبتوفان هيدروكسيلاز التي تؤثر بشكل مباشر على مناطق محددة من المخ لها تحكم مباشر في بناء القرارات المنطقية والعاطفية، بحسب دراسة أجريت في كوريا عام 2010 نشرت في مجلة Neuropsychobiology.

إضافة إلى ذلك، بينت دراسة أجريت بقيادة د. تيدنز ة د. لينتون عام 2001 إن حالة الغضب تدفع الإنسان، بناءً على الثقة في وجهة النظر والعلوية المعنوية، إلى اللجوء إلى جميع الأفكار والاعتقادات والصور النمطية والدلائل النفسية السطحية دون تصفية منطقية والتي يكمن الكثير منها في المواقف الباطنية المستترة من القضية المتنازع عليها في سياق إقناع الطرف الآخر بأنه يستحق الملامة وأن غضب الشخص مبرر ومنطقي. بالتالي فإن حالة الغضب قد تقود فعلًا لتطابق نسبي بين الموقف الضمني والصريح لإنسان اتجاه موقف، أو شيء، أو شخص ما وهو بالظبط موضوع هذا البحث الذي تم عبره فحص ردود الأفعال النابعة من الموقف الضمني والصريح لطلاب يختبرون شعور الحزن، الحيادية والغضب ومدى تأثير هذه المشاعر على تعبير موقفهم الصريح عن موقفهم الضمني.

المنهجية

بناءً على طبيعة هذا المقال ولتفادي اللغة التقنية التي قد تعيق إيصال الفكرة لك عزيزي القارئ، سأتطرق بشكل عام لما قمنا به على مدى التجارب التي أجريت إلا أنه من الجدير بالذكر أن جميع الأساليب والاختبارات التي تمت في إطار هذه الدراسة كانت مرتكزة على أساس علمي وجميع النتائج تم فحصها إحصائيًا ورياضيًا.

شارك 52 شخصًا في التجربة الأولى (29 أنثى)، 66 في التجربة الثانية (24 أنثى) و58 في التجربة الثالثة (29 أنثى). تمت كل تجربة على ثلاث مراحل، في المرحلة الأولى وظفت منهجية جس الموقف الأكاديمي الضمني التي استخدمت لقياس الارتباط بين مواضيع قابلة للتقييم (مواد دراسية) والتقييمات المرتبطة بها كما اتخذت نتائج هذا الاختبار كمرجع تقييمي لكل شخص.

في المرحلة الثانية خضع المجرب عليهم لعملية إثارة عاطفة، حيث طلب على سبيل المثال من المشاركين الذين خضعوا لتجربة الغضب أن يصفوا بدقة وتفصيل شديد جدًا موقفًا مغضبًا جدًا عاشوه سابقًا، وسئلوا إن كانوا قد شعروا بالغضب اثناء الكتابة وكانت الإجابة بدرجة 91% إيجابية. كذلك تم بالنسبة للحزن والحيادية.

في المرحلة الثالثة أعيدت تجربة جس الموقف الأكاديمي الصريح. الفرق يكمن في التجربة الثالثة حيث استخدمت منهجية جس الثقة الضمنية والصريحة في النفس بعد التعرض لتحفيز غضب باستخدام صيغة تقييمية أخرى، ثم تم وضع الطلاب تحت الاختبار في استجواب لجس مستوى ثقتهم بوجهة نظرهم لتقييم أثر الغضب على الثقة في وجهة النظر. يجدر التنويه إلى أن كل الاختبارات والتقييمات التي استخدمات هي بذاتها مرتكزة على أبحاث علمية سابقة.

من المهم كذلك الذكر بأنه تم التأكد بشكل تام أن المشاركين في التجربة لا يعلمون على الإطلاق مغزى التجربة، وذلك لتفادي ما يسمى بأثر بلاسيبو وهو ظاهرة تؤثر على مصداقية النتائج المتحصل عليها. بعد جمع الأوراق التي قدمت، تم تحليل المعلومات إحصائيًا ورياضيًا للتحقق آثار المتغيرات عاطفية على السلوك إحصائيًا محققة. كذلك، تم أخذ موافقة جميع المشاركين في التجربة قبل بدئها وذلك التزامًا بالأخلاقيات العلمية كون هذه التجربة قد نفذت على بشر.

النتيجة العامة

لقد أدى الشعور بالغضب إلى تقارب واضح جدًا ومثبت رياضيًا بين الموقف الضمني والموقف الصريح للطلاب بعد تقييم الأوراق التي قدمت في هذه التجربة بما يؤكد الفرضية القائلة بأن الحالة الشعورية النفسية تؤدي فعلًا إلى تغيرات معينة على مستوى مدى تعبير الموقف الصريح عن الموقف الضمني. كما عبر الطلاب أثناء تأديتهم لمهمة كتابة حدث حزين، مغضب أو حيادي أنهم شعروا فعليًا بالغضب أثناء كتابة الحدث المغضب بما يؤكد أن عملية تحفيز المشاعر العاطفية قد تمت بنجاح. كما لوحظ بناءً على التجربة الثالثة أن شعور الطلاب الذين مروا بحالة غضب مروا بارتفاع في نسبة الثقة في مواقفهم مقارنة بالحزن والحيادية، مما يؤكد فرضية أن الغضب يؤدي إلى ارتفاع معين في ثقة الشخص في وجهة نظره بكل ما تحمله هذه النتيجة من تداعيات نفسية وسلوكية مرتبطة بها خارج نطاق هذه التجربة.

كما أكدت هذه التجارب أن هذا الأثر الذي فرضه الغضب على الارتباط بين الموقف الضمني والسلوك الصريح كان نابعًا بشكل أساسي من حالة ازدياد في الثقة في وجهة النظر لدى الشخص الغاضب، وكذلك من نتائج الإدراك الفرضي لعلوية الموقع المعنوي لدى الشخص الغاضب مقارنة بالمغضوب عليه.

من المهم جدًا أن أنوه هنا أن هذه النتائج لا تعني أنه لا يوجد آليات أخرى محتملة أثرت على بروز الظواهر التي تم تسجيلها أثناء التجربة، وكذلك لا يعني أن كل ما يقال أثناء الغضب يعتبر بالضبط ما هو مستور فكما قلت سابقًا هناك تلاشي نسبي للعوازل بين الموقف الضمني والموقف الصريح وليس اختفاء تامًا للعازل. بالمختصر، هذه التجارب أوضحت أن شعور الغضب يضيق فعليًا الفاصل بين الموقف الضمني والموقف الصريح بما يؤدي بالإنسان الغاضب لأن يعبر بأكثر صراحة عن مواقف يفترض أن تبقى ضمن الموقف الضمني المستور غير المصرح به وفقًا للوعي المنطقي.

خلاصة

كشكل من الاختصار الفكري، هذه النتيجة وما سبق من أبحاث حول نفس الموضوع يعلموننا درسًا عظيمًا حدثنا به الحكماء من قبل، انتبه جدًا لما يقوله أو ما يفعله لك شخص (بغض النظر عن موقفه الصريح منك) أثناء لحظات الغضب أو «الزعل الشديد» إن صحت تسميته بذلك، ففي تلك اللحظات هنالك احتمال كبير بأن تكون في محادثة صريحة نادرة الحدوث مع الجانب الآخر المستتر من عقل الغاضب.

الأهم أن تنتبه لأي شيء يقال خارج نطاق النمط الطبيعي لتفكير و/أو سلوك ذلك الشخص مسببًا تنافرًا فكريًا لديك، على سبيل أن لا يحترمك أو يهينك شخص في لحظة زعل أو غضب رغم أنه لم يقلل احترامك أبدًا في مواقفه الطبيعية، أو أن لا يكترث في لحظة زعل أو غضب لمصيبة أصابتك بينما كان يصاب بمصيبة أكبر منك إن أصبت أنت أو أن يجرحك بالحديث في لحظة غضب رغم أنه عادة حريص جدًا عليك.

عليك أيضًا أن تنتبه عزيزي القارئ أنك في اللحظات التي تكون فيها تحت تأثير عاطفي وخصوصًا إن كان ارتباطًا كصداقة عميقة أو أبوة أو أمومة أو ارتباطًا عميقًا بفرد من الجنس الآخر فإن المخ يخضع لتأثيرات فسيولوجية تم رصدها علميًا تضعف الحكم المنطقي على الشخص، بحيث قد يلجأ عقلك بعد أن تعرض للتنافر الفكري إلى آلية يخلق وفقها أعذارًا للشخص الآخر أو يصيغ ما حدث كنتيجة منطقية لشيء تلام أنت عليه ليعطل اتخاذك لقرار تعامل حاسم، قرارًا موضوعيًا في كيفية التعامل مع ما قيل أو فُعِل، أو قرار إعادة نظر في العلاقة قد يثبت بدوره أن اعتقاداتك عن ذلك هي وهم خصوصًا وأن ذلك الشخص سيساعدك على خلق الأعذار باستخدام أقدم حجة عرفتها البشرية وهي «كانت كلمة في وقت غضب» أو كما تقال بالعامية «كلمة وتقالت في ساعة شيطان».

سأعمل على كتابة مقالة منفصلة حول تأثير العاطفة على الأحكام المنطقية تجاه الناس. عليك عزيزي القارئ أن تقف وقفة تقييمية مع نفسك في حالة حدوث هذه الحالات لإعادة النظر فيما يعتقده الغاضب ضمنيًا، أسباب تلك المعتقدات، كيفية إصلاحها إن أمكن، وإن كان من الصحي منطقيًا أن تستمر علاقتك به إن كانت طبيعة العلاقة صداقة، أو أخوة أو عاطفة اتجاه فرد من الجنس الآخر.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد