082816_1446_1.jpg

بعض الأفلام تجبرك أن تعايش حيرة وخوف شديدين بعد الانتهاء من مشاهدتها، يصنف ذلك الفيلم ضمن أفلام تأخذك لعالم بعيد ليس جميلًا، ولكنه صادم بشكل يجعلك تفكر في الثورة بكامل قلبك.

تدور أحداث هذا الفيلم المأخوذ من رواية «لكين كيسي» تحمل نفس الاسم داخل مصحٍ عقلي، حيث يدخل «ماكميرفي» المتهم في قضية اغتصاب قاصر، والذي ادعى الجنون هربًا من السجن.

يتضح من أول مشاهد الفيلم أن «ماكميرفي» شخص معارض للنظام، ولكنه يصطدم في المصح بنظام هو أصعب مما كان يجد في السجن، يشبه ذلك النظام كثيرا «نظام الأخ الأكبر» الذي وصفه «جورج أورويل» في رواية «1948» حيث يسير المواطن في إطار تحدده إدارة المستشفى المستبدة.

يَظن ماكميرفي خطأ أن في تلك المستشفى خروج من سجنه إلى بعض الحرية، لكنه يكتشف أنه ذهب لسجن أشد ضراوة، يخضع نزلاؤه لجداول يومية مملة تحت إشراف الممرضة الصارمة «راتشيد» وتمثل وجه الديكتاتورية.

يحاول ماكميرفي أن يغير نظام المستشفى، ولو قليلا؛ فيبدأ في تحدي الروتين الممل، عبر محاولته للحصول على أبسط حقوق كان يحصل عليها في السجن، أو بمحاولات الهرب اليائسة، ثم يبرر فشله في تلك المحاولات «على الأقل قد جربت أليس كذلك؟» أو بتكوين الصداقات التي حاول من خلالها أن يؤثر على زملائه، ويحثهم على الثورة ضد خوفهم، وضد الإرهاب الفكري الذي يمارسه نظام المستشفى عليهم، يحقق انتصارات صغيرة جدًا ضد المصحة وممثلته الممرضة “راتشيد” في البداية، أو يظن.

«أعني أنكم يا رفاق لا تفعلون شيئًا عدا التذمر، وكيف أنكم لا تطيقون هذا المكان، بينما لا تملكون الجرأة للخروج منه، ماذا تحسبون أنفسكم؟ مجانين أو ما شابه؟ حسناً أنتم لستم أكثر جنونًا من الحمقى التقليديين الذين يمشون في الشوارع، هذا هو الأمر!»

تقول «أحلام مستغانمي» «وهل الحرية في النهاية سوى حقك في أن تكون مختلفًا؟»

لكن حين يُفرض عليك أن تساير القطيع مُرغمًا، وتُسلب إرادتك الحرة فيكون مفروضًا عليك أن تمكث في مكان أقرب ما يكون من صورة السجن، بل هو أسوأ، وتخرس إلى الأبد طريقتهم هم فتُغتصب روحك وحريتك وقدرتك على الثورة وتكون غير قادر على الهرب، ربما حينها سيكون الموت رحيمًا عليك أكثر «ليس مهمًا أن تعيش، المهم أن تعيش حرًاً»

أحببت النهاية بقدر ما صدمتني، منطقي أن يرى المشاهد في ماكميرفي شخصًا لا يستحق تلك الحياة الخالية من الإنسانية، فـ«إرادة الحياة» هي أبسط حقوق الإنسان، وحين يفقد إراداته تلك يفقد معنى وجوده الذي أكسبته إياه «الحرية».

«كيف يفرض إنسانٍ سلطته على إنسان آخر يا ونستون؟ فكر وينستون، ثم قال: بأن يجعله يقاسي الألم» رد أوبراين «أصبت فيما تقول، بتعريضه للألم؛ فالطاعة وحدها ليست كافية، وما لم يعاني الإنسان الألم كيف يمكنك أن تتحقق من أنه ينصاع لإرادتك، لا لإرادته هو؟! إن السلطة هي إذلاله وإنزال الألم به، وهي أيضًا تمزيق العقول البشرية إلى أشلاء، ثم جمعها ثانية وصياغتها في قوالب جديدة من اختيارنا» من رواية 1948 لـ«جورج أورويل»

يجسد هذا الفيلم رعب الأنظمة «الشمولية»، التي تحكمها رغبة في السيطرة على  كل مظاهر حياة الفرد، من التغيير، نرى أن إدارة المصحة لا ترغب في تسريح مرضاها؛ لسبب بسيط: أنه لو تغيرت عناصر النظام سيؤدي ذلك إلى تغير النظام ذاته؛ فيفقد معنى وجوده ومبررات استمراره، يوفر النظام لنزلائه الحماية في مقابل أن يفقدوا آدميتهم ويتشبعوا بالخضوع، ويتضح ذلك مما قاله أحدهم لماكميرفي

«أتظن أنني لا أود ذلك؟ حسنا! الأمر ليس بهذه السهولة، إنني لست مستعدًا بعد»، ولا تجيء أبدًا لحظة الاستعداد تلك؛ لأن «العصافير التي اعتادت الأقفاص، حتى عندما يفتح لها باب القفص، لا تطير، مع الوقت تنسى أن لديها أجنحة». «محمد الرطيان».

ويتضح ذلك أكثر في المواجهة بين «بيلي» والممرضة «راتشيد»، والذي ينطلق لسانه، ويستعيد ثقته بنفسه بعد معاشرة «كاندي» فتستغل الممرضة عقدة الأم لديه بمنتهى الخسة، فيتلعثم مرة أخرى، وينتحر في المشهد التالي.

يقول المخرج «لاس فون تيرر» عن الفيلم «على الفيلم أن يخدش ويؤذي تمامًا كالحجر الصغير في الحذاء، وهذا ما فعله ميلوش في هذا الفيلم، صنع فيلمًا لا يخدش فقط، بل جعلنا نشعر بمعنى الحياة الموجع على أيدي أشخاص
فقدوها ضمنيًا»

«أحدهم طار فوق عش الوقواق» لم يكن ماكميرفي، ولكنه أحد تلاميذ «ماكميرفي»؛ لأن الفكرة حين تكون صادقة لا تموت، بل تبقى حية مخلدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإنسان
عرض التعليقات
تحميل المزيد