يوميا نتعرض لمشاهد قتل وحرق وتعذيب، وعلى مدار الساعة، بحجة أننا يجب أن نهتم بأمر المسلمين، أو أننا يجب أن نوقظ أنفسنا من سباتنا برؤية هذه المشاهد، أو بأننا يجب أن نشعر بما يشعر به إخواننا في السجون أو في البلاد المجاورة.

ولكن السؤال هل هذا يجدي بالفعل؟!

هل تعرضنا كبشر يوميا لهذه الصور والفظائع يجعلنا أكثر اهتماما أو أكثر تعاطفا؟
هل تعاطفنا منذ أعوام مع صورة الطفل الفلسطيني الدرة، هو ذاته تفاعلنا وتعاطفنا مع أطفال سوريا اليوم الذين مشاهدهم أقسى ألف ألف مرة من الدرة؟

بتنا نمر على تلك الصور مرور الكرام… لقد عودونا الهوان والقتل ومشاهدة هذا بلا ضير ولا ضمير حي.

لم أشعر بنفسي إلا حين كنت أقلب في قنوات التلفزيون ووجدتني أستمتع بفيلم عنف وكنت في السابق أشمئز من مجرد مشاهدة لقطة وكنت أتأثر كثيرًا بهذا…

تحسست قلبي حين انتهي الفيلم وعلمت أنه لم يعد ذلك القلب وربما لن يعود قط…

في اليوم الواحد منذ قيام الثورات العربية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، بتنا نرى يوميًا تناثر الجثث وتطاير الأشلاء.. هنا جثة محترقة وهنا جسد معذب حتى الموت وهنا صورة رأس متفجر.

هنا طفل ملقى على الطرقات مقتولا.. وهنا من يصرخ…الدماء والأكفان والنيران لم تعد تفزعنا.. لم تعد بتلك الرهبة التي كانت، والأدهى من هذا كله حين نرى في هذه الصور وجوه من نعرفهم وقد فارقوا الحياة، أو نرى هذا بأعيننا في حدث ما، باتت هذه المشاهد ليست مقتصرة على نشرات الأخبار، بل أنت تشاهدها وأنت تأكل وتشرب وأنت على فراشك.

لست ضليعة في طب النفس لأشرح ما يحدث للإنسان وللنفس البشرية حين تتعرض لهذا بشكل مكثف، ولكني سأستعرض المراحل التي حدثت لي ولرفقائي.

كنت في بداية الأمر أفزع وأغضب وأفكر في طريقة للتنفيس عن الغضب ولا أستطيع المتابعة، وقد أرى كوابيس في عدة ليال متتالية أو يصيبني الأرق من فرط التفكير في حل، وكنت أحيانا أصل لنوبة اكتئاب تستمر لأسابيع.

وبعد فترة..

بت أشاهد هذه الصور أو المقاطع وأبكي وأبكي..

وبالكاد كنت أستطيع الحياة.

وبعد ذلك فقدت الإحساس بالسعادة المطلقة وبات الموت رفيقي في التفكير في أي شيء من تفاصيل الحياة، وفقدت الإحساس بالوطن وبالانتماء وفقدت الشغف والأمان والأحلام، وبات ذهني مشوشا تماما ولكني كنت لا زلت قادرة على التألم.

ومع مرور أشهر على تلك الحالة..

وجدت نفسي لا إراديا أبتعد كليا عن مشاهدة الأخبار وألغيت معظم الإعجابات بصفحات الأخبار أو الأصدقاء الذين يبدعون في عرض مشاهد من هذه.

وبعد عدة أشهر أخرى وجدتني أتصالح مع وجود هذه المشاهد في حياتي، وأمر عليها وأقرؤها أحيانا وأتأثر، وبعدها بثانية أقرأ شيئًا مضحكًا فأضحك وكأنني شخص مصاب بانفصام في الشخصية، وبعد دقائق أنسى تماما ما شاهدته أو قرأته.

وفي النهاية تحولت لإنسان لا يخاف مطلقا من مشاهد العنف ولا القتل ولا الدماء ولا يحرك هذا شيئًا فيه.

كحجر أصم..

شاهدت الطفل السوري الراقد على الشاطئ ولم أتأثر لأكثر من دقائق وحسب.

هكذا لم أعد قادرة على الغضب ولا التفكير ولا المبالاة ولا حتى الألم، فقدت قدرتي على الإحساس تمامًا، وفكرت أنه لابد لي من زيارة طبيب نفسي لأعرف سبب ما حدث لي..فأنا لم أعد أتألم من شيء إلا من كوني لم أعد أتألم…

إلى أن قرأت مقالا يتكلم عن السجون الكورية حين كان يموت فيها السجناء بدون أسباب، وكان السبب الوحيد هو أنهم كانوا يعرضونهم لأخبار سيئة طوال الوقت، مما أدى إلى انخفاض حالتهم المعنوية وموتهم جراء ذلك.

إذن الحزن واليأس والعجز يقتل أسرع من السرطان ربما،ولكن لم ينتبه أحد قط إلى أن يقي نفسه منه.

الرسول استعاذ من الحزن والهم والعجز، ونحن نفتح ذراعينا لكل هذه الأشياء طيلة الوقت وننتظر أن نكون جيلا يحترف النصر ويقود الأمة لعزتها، كيف يقود الأمة جيلٌ من المرضى والمنهكين نفسيًّا إلى حد الموت؟!

لا أجد مبررًا لكل هذا الكم من المشاهد التي تستعرض طيلة الوقت مشاهد القتل للأبرياء والأطفال والحروب، ولا أقول أننا نتجاهلها أو نحيا كما لو أننا انسلخنا من أمتنا ومن همومنا.

بل على العكس، لابد أن تكون جل اهتمامنا، ولكن هذه المشاهد لا تساعدنا قط بل على العكس فهذه إحدى حروبهم النفسية التي يشنونها علينا ونحن نسوقها.

هناك ألف طريقة للمساعدة عدا هذا.

أقلها أن تكون كما أراد الله فردًا يبث الخير والإيمان في دائرته، ولن تفعل هذا أبدًا بهذه النفسية المهترئة، فكيف بما هو فوق هذا من مسؤوليات يحملها إياك حال الأمة؟!

حين ضاقت الدنيا بالرسول أمره الله (وأما بنعمة ربك فحدث)، وحين ضاقت الأرض بقوم موسى عليه السلام أمره الله (واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين).

هذا الأمر وجه إلى موسى وقومه، وفرعون كان يطاردهم ويهددهم ويضيق عليهم… قال له الله (وبشر المؤمنين)، فلن يثبت أمام الباطل صاحب حق مهزوم نفسيًّا.

الله كان أرحم بنا حين عرض علينا الأذى الذي تعرض له المسلمون على مدار الحياة البشرية.

هل يجد أحدنا غضاضة في أن يعلم ابنه سورة البروج؟ هل يفزع أطفالنا من مشاهد قصة أصحاب الأخدود بعرضها القرآني بعيدًا عن التفسيرات البشرية؟

بل على العكس، لقد حفظت سورة البروج وكانت أجمل السور التي أحببتها  في طفولتي… لم تخدش طفولتي ولا إنسانيتي.. على الرغم من عرضها لمذبحة مثل التي يتعرض لها المسلمون في بورما.

إبادة للمسلمين وحرق للأحياء والرضع..ولكن القرآن لم يتكلم عنها من هذه الزاوية.

بل لم يتكلم أصلا عن القتل الذي تعرض له المؤمنون، ولم يحاول أن يستثير استعطاف المستمع بالفظائع التي ارتكبها المجرمون، ولم يحاول أن يشخصن الحوار عن الكافرين الظالمين… على الرغم من ما في هذه الواقعة من أحداث خصبة لذلك.

ولكن القرآن تناول هذه المذبحة أو الإبادة من زاوية الثبات على الحق، ومن زاوية العزة والقوة التي كانت في قلوب المؤمنين حية، ولم يحفل كثيرًا بالحديث عن أجسادهم المحترقة… ليست قضية القرآن أن يحرق قلوب المؤمنين.. بل أن يكونوا مستعدين لأن تحرق أجسادهم في سبيل بقاء قلوبهم فتية وقوية وثابتة على الحق ومراد الله…

فقلب حي محترق أبغض في ديننا من جسد ميت محترق…

 

تأمل معي قال تعالى:

(قتل أصحاب الأخدود): وهم الذين حفروا الخندق وليس المؤمنون (لاحظ المفارقة)، بدأ الله قصتهم بوعيد للقاتل وليس بالبكاء على الضحية.

(النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود)، هل لاحظت هنا لطف الله بقلوبنا؟

هل ذكر الله شيئًا عن قذف المؤمنين في النار؟فقط رسم لك الصورة بكل أبعادها في لطف بدون أن تشعر أن هناك شيئًا يقهرك.

وكأن القرآن يتجنب تماما الحديث عن العذاب والألم الذي حل بالمؤمنين. (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد): قضية القرآن هو على ماذا مات لا كيف مات.

فمن يجب عليه أن يهتم بكيفية موته هو القاتل لأنه سيحاسب، أما نحن فلا يعنينا سوى على ماذا مات، وتنتهي القصة بتوعد القاتلين إن لم يتوبوا، حتى توعدهم مقيد بالتوبة لأنها قضية حق وباطل، وليست قضية أشخاص وقبائل.

وتنتهي السورة بقوله تعالى:(بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ)، أي كتاب عظيم كريم.

وليس كتابًا يقتل فينا الإحساس ويشعرنا باليأس والعجز، ومشاهده لا تؤلم ألمًا يخدرنا إلى أن يفقدنا الإحساس بالألم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد