كيف كان سيغدو وجه سوريا لو انضم الدكتور البوطي وأمثاله إلى الثورة السورية؟

منذ مطلع الثورة السورية تكرر هذا السؤال آلاف المرات على ألسنة الناس، ماذا لو ثار الدكتور البوطي وأمثاله من شيوخ سورية الكبار على آل الأسد؟ وكان الجواب دائمًا: لو انضموا إلى الثورة لسقط الأسد في بضعة أيام.

ولقد كان هذا الجواب على الدوام صورة واضحة عن اختلال التفكير الذي يصيب المجتمعات التي تعيش في ظل سلطة استبدادية متخلفة كسلطة آل الأسد.

سؤال بسيط وجواب بدهي في العقلية الجمعية السورية التي تُكوِّن جزءًا لا يتجزأ من العقلية العربية التي تعيش صراعًا فكريًا مخيفًا بين ثقافتين متناقضتين موروثة مهلهلة لا تقبل التغيير وأخرى معاصرة متهورة لا تعترف بماض ولا تاريخ.

سأحاول الإجابة ما استطعت فالسؤال بسيط ولكن الجواب صعب؛ لأنه شيء منتزع من التاريخ والحاضر، ويحاول اختراق حجب الوهم التي صنعها تخلفنا المقيت.

الثورات في تاريخنا

لقد كان الإمام الحسين بن علي كرم الله وجهه سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكرم من بقي من أهل زمانه وأعلاهم قدرًا في نفوس المسلمين، وكان فوق ذلك رمزًا دينيًا واجتماعيًا وسياسيًا للأمة، وعندما ثار على طغيان يزيد بن معاوية لم يستطع أن يوصل ثورته على الظلم إلى حيث قصد وأراد، لقد قضى شهيدًا في أرض كربلاء، وغدت ثورته في واقع السياسة كأن لم تكن.

وفي مرحلة لاحقة ثار حفيده زيد بن زين العابدين على فساد بني أمية، وأيده جملة من أهل العلم كان منهم الإمام أبو حنيفة، عن الفضل بن الزبير قال:

قال أبو حنيفة: (من يأتي زيدًا في هذا الشأن من فقهاء الناس؟)

قال: قلت سُلَيْمَةُ بنُ كهيل ويزيدُ بن أبي زياد، وهارونُ بنُ سعدٍ، وهاشمُ بنُ البريدِ، وأبو هاشمٍ الرّمانيّ، والحجاجُ بن دينار، وغيرهم.

فقال لي: (قل لزيدٍ لك عندي معونةٌ وقوّةٌ على جهادِ عدوّكَ؛ فاستعِنْ بها أنتَ وأصحابك في الكراعِ والسلاحِ).

ثمّ بعثَ ذلكَ معي إلى زيدٍ، فأخذه زيدٌ.

ومع أن ثورة زيد على فساد بني أمية حصلت على تأييد جمع من علماء الأمة الكبار فإنها لم تدم إلا أيامًا حتى عُلِّقت رأسه الطاهرة على خشبة.

وقد ضُرب وعذب كل من الإمام مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل والشافعي فلم تمنعهم منزلتهم في الأمة من أن ينزل بهم عذاب المستبدين وطغيانهم.

جواب

هنا أعود لأجيب عن سؤال عامة السوريين؛ ماذا لو ثار الدكتور البوطي وأمثاله من كبار شيوخ أهل السنة ورجال الدين المسيحيين وغيرهم على آل الأسد ماذا كان سيحدث؟

الجواب: لن يحدث شيء ولن يتغير شيء مما آلت إليه الأمور في سوريا.

لم يكن البوطي وعشرة مثله من شيوخ دمشق وحلب وحمص وحماة مجتمعين بمنزلة الحسين بن علي أو حفيده زيد، كما لم يكونوا بمنزلة الإمام أبي حنيفة أو سعيد بن جبير الذي قتله الحجاج، ولم يكن البوطي ومثله مئات بقوة محمد بن الأشعث الذي ثار بجيش كبير على بني أمية وأيده سعيد بن جبير وكثير من علماء عصره.. كلهم لم يستطيعوا تغيير الواقع وكانوا أعظم منزلة في قلوب المسلمين من مشايخ اليوم.

الوهم

إن من يحلل واقعنا العربي لا يشك بأننا كثيرو الأحلام ونعيش الوهم بكل أشكاله، ولا شيء كالوهم يقود الإنسان نحو مصرعه، ووهمُنا قد جاء من تضخيمنا لمكانة التاريخ المزور من حياتنا وتفضيلنا العيش في قصصه على عيش الحاضر.

لا أدعو هنا لترك التاريخ أو لعن الأجداد كما يدعو بعض الناس، ولكن أدعو لوضع التاريخ موضعه الصحيح من حياة الإنسان العاقل.

إن التاريخ لا شك مفخرة الأمم ونقطة انطلاقتها، ولكنه لا يصلح لعيش الحاضر والمستقبل، فزماننا ليس كزمان أجدادنا.

إن الذي لا ينفك يتحدث عن التاريخ هو إنسان يحاول مواراة عجزه عن معالجة الحاضر برواية أمجاد الماضي وإيهام الناس بأن الإصلاح يكون على يد رجل خارق يقلب الدنيا في يوم وليلة، كأبطال قصصه الذين يجردهم من واقعهم ليصبغ عليهم قدسية مصطنعة.

المشايخ والتغيير

إن الشعوب العربية تعتقد أن المشايخ قادرين على تغيير الدنيا كأبطال الحكايات التي يروونها، وإن سبب اقتناع الناس بأن المشايخ يملكون قدرة خارقة على تغيير مجرى الأحداث أمران:

الأول: الجهل بالتاريخ المليء بالحوادث التي تخبرنا بأن عصا السلطة أقوى من خطبة الشيخ، وأن سيف الحاكم أمضى بآلاف المرات على قلوب العامة من خطب مئات الشيوخ. وإن جهل الناس هذا سببه كثرة تكرار المؤرخين والوعاظ لقصة العز بن عبد السلام الذي باع الأمراء.

إن من يكرر هذه القصة يتجاهل الظروف التي وقعت فيها تلك الحادثة الفريدة في تاريخنا، ويتجاهل دور المماليك في صد عادية المغول موهمًا نفسه ومن سمعه بأن العز هو من صنع النصر بفعلته هذه، وأن من يسلك طريق العز في طلب العلوم الشرعية قد يكون مخلص الشعوب المسحوقة يومًا.

الثاني: فراغ المجتمع وخواؤه، فمنذ أن وصل حافظ الأسد إلى قمة الدولة السورية قام بتفتيت المجتمع السوري عبر منع العمل الجماعي وتدميره، وفي هذه الظروف تغولت شخصية الفرد، فأصبح عندنا في السلطة فرد واحد لا شريك له هو حافظ الأسد، وفي السلطة الدينية الدكتور البوطي والشيخ أحمد كفتارو والشيخ فلان وفلان، وكذلك في الاقتصاد ظهرت شخصيات عدة مرتبطة بالحاكم وتتغذى على الفساد كل منها تمثل اقتصاد دولة ويحكي ثراؤها أسطورة من الأساطير، وهكذا غدا الفرد العظيم الملهم وصاحب القدرات الخارقة في عقلية المواطن هو القادر على التغيير فقط ونسي المجتمع دور الجماعة، وغدا دعاء الشيخ في وهم الغافلين -عن سنن الله في كونه وأمره بتدبر أحوال الأمم- السبيل الوحيد لصلاح الفرد والمجتمع.

ومع الأيام قام بعض الوعاظ أصحاب الخطب الرنانة أو الحظوة الإعلامية عند النظام، بملء الفراغ الذي خلفه فراغ المجتمع فأصبحوا في أذهان الناس كل شيء، وقد صدَّق هؤلاء الشيوخ ما يرى المجتمع الفارغ فيهم من عظمة لا مثيل لها فانطلقوا يرددون بثقة عالية:

(إن الملوك ليحكمون على الورى — وعلى الملوك ليحكم العلماء)

ولا يلام الشيوخ على ما حدث فقد كان ذلك نتيجة طبيعية لخواء المجتمع وفراغه.

المشايخ والثورة

على العموم لقد كان في سوريا قبل الثورة شخصيات دينية عدة ساندت قضايا الشعب جزئيًا وتناغمت معه في الشكوى من فساد البعث والأسد، فكانوا يتحدثون بما يسمح به الحال عن الفساد والفاسدين والرشوة والمرتشين والآكلين أموال الناس ظلمًا. وعندما قرر الشعب الثورة كان يرى في هؤلاء صورًا مصغرة عن المسيح المخلص أو المهدي المنتظر، فطالبهم بالثورة واعتمد عليهم بحجم الوهم المرتكز في عقله، وما هم في الحقيقة إلا أناس مساكين مثله، رجعوا إلى أنفسهم فلم يروا في عقولهم الممتلئة بالخطب الرنانة والعاطفية حلًا لمشاكل الشعب أو همومه، وصدمتهم الحالة الغريبة التي ضربت مجتمعاتنا فانزلق بعضهم إلى أحضان النظام وانضم آخرون إلى الثورة، ولم يعرف بعضهم ما يفعل فأعلن أنها فتنة، وهنا ذهل الشعب عن نفسه وتزعزعت ثقته بكل ما كان يؤمن أو يؤمل فألحد بعضه وتطرف بعضه، ووجم الباقون وانطلقوا يرددون بأسف عميق: آه! لو ثار البوطي ومعه بضعة شيوخ لسقط الأسد في أيام.

أيها القارئ الكريم إن كنت لا تصدق أننا نحن من خدعنا أنفسنا وأوهمناها بسلطة العلماء والمشايخ؛ فافتح اليوتيوب واختر مجموعة من أغنيات أشهر الفنانين العرب، ومثلها من مواعظ أشهر الدعاة ثم قارن المشاهدات وتفاعل الناس مع هذه المواد، سترى أن تأثير المشايخ لا يساوي ربع تأثير الفنانين، فلماذا تلوم هؤلاء وتنسى أولئك؟ إنه الوهم الذي عشت عليه، ولا تلام أنت ولا أنا على تغلغل هذا الوهم في ذواتنا، فقد عشنا تحت سلطة القمع والاستبداد، ولا شيء يفسد الأمم ويقلب المفاهيم مثلهما.

رجال الدين والمجتمع

العلماء ورجال الدين جزء من الحياة الاجتماعية لشعوبنا العربية وليسوا كل حياتهم، وإذا تضخمت قدراتهم في دماغك، فذلك لأن السياسيين وقادة المجتمع تخاذلوا عن القيام بواجباتهم فتقلص دورهم في حين تمدد أولئك، وهذا الأمر سنة كونية إلهية قررتها قوانين الفيزياء التي تقول بتمدد الهواء وكذلك كل الأجسام السائلة في الفراغ.

وبعد كل هذا علينا أن نعلم أن الأمم والدول تقوم على أسس ثلاثة اجتماعية واقتصادية وسياسية، والمؤثرون في الحياة الاجتماعية للشعوب هم:

الآباء بما يحملون من تراث الأجداد، والفلاسفة ورجال الدين والعلماء من كل فن والفنانون والممثلون والكتاب والشعراء وأمثالهم.

وأما المؤثرون في الحياة السياسية فهم: قادة الدولة من عسكريين ومدنيين وإداريين بالإضافة إلى الظروف الدولية، وقادة الدول الكبرى.

والمؤثرون في الاقتصاد هم التجار والصناع والزراع ومؤسسات الدولة الاقتصادية ومراكز الاقتصاد العالمي.

وإن أي تغيير نسعى إليه اليوم يستلزم اجتماع أفراد ومؤسسات عدة من كل واحد من أسس المجتمع الثلاثة مع تنسيق دولي وإقليمي واسع، فإن اختلت مكونات حركة التغيير في جانب منها كان اختلالها بقدره.. فكيف إذا كان الخلل يعصف بها جميعًا؟

وأنت عندما تحمل فشل الثورة السورية للمشايخ فقط أو التجار فقط أو السياسيين أو العسكريين أو أساتذة الجامعات أو الأحزاب فقط فأنت تظلمهم وتنطق بالوهم الذي عشته.

الشعوب العربية والاستبداد

إن الشعب السوري جزء من الشعوب العربية ونمط تفكيره المضطرب عينة لما تعانيه باقي مجتمعاتنا العربية، وإنا إن كنا نبغي التحرر من نير الطغيان والانطلاق نحو آفاق الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، فعلينا أن نخوض معركة الوعي أولًا ضد عقولنا وأفكارنا التي زرعت فينا تحت ظل الاستبداد، فجزء كبير من تصوراتنا الدينية والاجتماعية هي من صنع الاستبداد وليست من الدين أو العلم والواقع في شيء.

أنا طالب علم قرأت التاريخ وكتبت فيه كثيرًا وعشت بين المشايخ والعلماء وأحببت المخلصين والعقلاء منهم ولا زلت أحبهم وأحترمهم، ولكن علمتني الأيام كما علمت آلاف الشباب الذي عاش الحرب والألم أن نبحث عن مواطن الخلل في أنفسنا، وأن نقدر كل شيء بقَدْرِه ونضع كل شيء في موضعه وإلا فإننا سنعيش المأساة مرارًا وتكرارًا.

وختامًا:

لقد كانت الثورة السورية بحاجة إلى قلوب بضعة قادة عسكريين وسياسيين مخضرمين ومؤمنين بقضايا الشعب أكثر من حاجتها إلى المشايخ والوعاظ والمفتين.

وأنت أيها القارئ الكريم إذا حدث ووقعت عينك في التاريخ الإنساني على سيرة مصلح اجتماعي أو ديني قلب حياة مجتمعه ووجهها إلى حيث أراد كما فعل أئمة بني العباس أو الشيخ عبد القادر الجيلاني في بغداد، فاعلم أن سبب ذلك ليس قوة الفكرة وصوابها؛ وإنما التفاف الناس حولها بانتظام باهر وتحويل الفكرة إلى مؤسسات وعملهم الدؤوب لجعلها واقعًا تحيا به أممهم، فالتغييرات الاجتماعية الكبيرة حدثت بسبب القدرة على التنظيم والتخطيط، وليس بسبب الأعداد الكبيرة التي آمنت بها.

وإن التغيير الذي تنشده الشعوب العربية اليوم يحتاج إلى وعي أولًا وإلى جهود جماعية ثانيًا وإلى صبر ومثابرة ثالثًا، ولا يمكن أن يحدث بجهود أفراد متفرقين أو فاقدي الوعي أو القدرة على الثبات، وإلا فإن ظلام الاستبداد والفساد سيبقى عنوان حاضرنا ومستقبلنا، وأَخلِق بأمة كبيرة كالعرب أن تصحو من جديد وتجعل آمالها في العيش الكريم واقعًا يحتمي به الكبير وينشأ فيه الصغير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات