في مخيلتي تصورت أن إحدى الشخصيات العظيمة والتي ارتحلت عن الدنيا منذ مئات السنين قد بعثت للحياة من جديد، وهو يتكلم اللغات الدارجة وكأنه من هذا الزمن، بدأ مشواره في الدول العربية ذات الأكثرية الإسلامية، وأخذ يدور في أزقة إحدى مدنها العامرة، وأثناء سيره اشترى بعض الفواكه ولكنه استغرب عندما وجد أن الفاكهة ليست جيدة وأن البقال قد غشه نهارًا جهارًا، فرجع إليه ليعاتبه وينصحه ولكنه تفاجأ مرة أخرى عندما شهر عليه سكينًا وأراد أن يطعنه بها وقد تجمع حوله أبناء عمومته وأقاربه من البقالين، شعر المبعوث من موته بالوحشة وسأل الناس هل أنتم مسلمون؟!

بعدها حاول أن يغير من مكان وجوده فوجد نفسه في حي جميل ومرتب ولكن كل من فيه من النساء بلا حجاب وملابسهن فاضحة، ولكنه قرأ على إحدى أبواب تلك الدور الفارهة آية قرآنية، وعندما اقترب من أحد الشباب وجده مخمورًا، فسأل شابًا آخر إلى جانبه، هل أنتم مسلمون؟! ولكن هذه المرة أجابه بسؤال آخر، وأنت من أي مذهب؟

تنقل من محل إلى آخر حتى سمع دوي انفجار لم يسمع مثله من قبل، توجه إلى مكان الحادث ووجد فيه أشلاء أناس من الرجال والنساء والأطفال وهم يصيحون بصوت هستيري (لا إله إلا الله)، والكل مفزوع ويركضون بعشوائية وخوف، وبعدها سمع صوت تكبير من رجل دخل وسط الحشود وهو يقول (الله أكبر) لينفجر في وسطهم ويقتل المزيد، اندهش وهو يحاول فهم ما يحصل، فسألهم السؤال المعتاد، هل أنتم مسلمون؟! نعم أيها الشيخ إنهم مسلمون وماذا يكونون برأيك؟ فرجع ليسأل مرة أخرى وهل هذا الانتحاري مسلم أيضًا؟! نعم أيها الشيخ إنه مسلم، فبقي في نفسه سؤال أخير، ولماذا يقتل المسلم أخاه المسلم؟! أيها الشيخ هل أنت من أصحاب الكهف؟ ما بالك لا تعرف ما يجري في العالم، إنه من طائفة ومذهب إسلامي يختلف عن طائفة ومذهب الآخرين.

ثم ارتحل بعيدًا إلى بلد آخر من بلاد المسلمين، وهناك شاهد لأول مرة طائرات وجيوش تهاجم المسلمين، وقد جفت وجوه الأطفال في تلك البلاد والتصقت جلودهم بعظامهم من الجوع والمرض، ولم يستغرب من كون الحرب بين المسلمين فقد اعتاد على هذا العنوان، ولم يعد بحاجة إلى أن يسأل عن السبب فهو واضح أيضًا، ولكنه تجمد عندما عرف أن المسلمين قد استعانوا بغير المسلمين لحرب إخوانهم في الدين، ما بال المسلمين تشتتوا وأصبحوا أعداءً يقتل بعضهم بعضًا؟

لن أذكر اسم الشخصية العظيمة، ولكن لو فرضنا أنها النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فماذا سيكون موقفنا حينئذٍ؟ كيف سنبرر له ما نفعله من مفاسد وانحرافات باسم الإسلام؟ لم نترك محرمًا مما حرمه لم نحلله، أضعنا مكارم الأخلاق، تصيرنا وحوشًا يأكل قوينا الضعيف، عدنا إلى الجاهلية التي أخرجنا منها، نقتل الأطفال ونعذبهم ونهتك حرمات الناس ونبيح المحرمات ونسرق ونزني ونغش ونلهو ونقامر ونسكر ونشجع الانحلال المجتمعي والمثلية وأعدنا حمية الجاهلية والعشائرية، ورغم كل هذه الأفعال التي تخرجنا عن رضا نبينا الأكرم، إلا أننا ندعي بأن خلافاتنا هي من أجله وفي سبيله، وإننا ندافع عما جاء وبعث من أجله، وهل نعلم لأي شيء بعث؟!

لا مانع من أن تكون على قناعة بإحدى المدارس الفقهية والمذاهب الإسلامية، فهذا لا يفسد القضية ابدًا، بل على العكس فأنت من خلال اتباعك لإحدى المذاهب فانت تتبع سبيلًا إلى الله يقوده عالم أنت قد وضعت ثقتك به، فإن تبين أن هناك عالمًا أكثر معرفة منه فلا ضرر من أن تغير سبيلك إلى الله باتباع من يقدم الدليل والحجة المقنعة، وكل هذا لا يعطيك الحق في أن تعادي الآخرين أو أن تعتدي عليهم، فكلهم يدعون اتباعهم لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعليك أن تحترم آراءهم وأن تناقشها وفقًا للدليل الذي وصلك عن نبيك الأكرم، فهو قد بعث رحمة للعالمين وليس فقط للمسلمين، وعلينا أن نبقي على صورته الرحيمة.

أنا أدعوكم إلى مقاطعة دعاة التفرقة والتحريض على انتهاك حرمات الناس، وتشجيع من يناقش الأمور بالدليل مع احترام الآخر وعدم فرض رأيه عليه، وأن نلقم أفواه رجال الدين والسياسيين حجرًا إذا ما تكلموا بالطائفية، وأن نحذر الدعاة ووعاظ السلاطين والمتذبذبين في أفكارهم وحسب أهواء أسيادهم، فهؤلاء ليسوا علماء وإنما أعوان للشيطان ولا دين لهم ولا ميثاق.

والحمد لله رب العالمين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات