يعتبر الفكر النيتشوي في العصر الحديث، من بين الإرهاصات الفكرية شديدة التعقيد من جهة، وفي غاية العملية من جهة ثانية، لما يحمله من صياغات للظواهر الاجتماعية أقرب للحقيقة، وتتقاطع مع الواقع بشكل يسمح لها بالتنظير والاستشراف المستقبلي.

فإذا واجهت أفكارًا مُصاغة بأسلوب فلسفي متفرد، أقرب للتهكم والاستصغار من عظائم البشر، فتأكد هنا أنك على مشارب عظمة فيلسوف سابق لعصره وزمانه، حيث إن عملية منهجة التفكير الخاصة بنيتشه هي في حقيقة الأمر من بين الحاجات التي أوصلت الفلسفة إلى عصرنا هذا بذلك الرونق والإنتاج الكثيف، وهنا تعتبر محاولات نيتشه كلها إضافة حقيقة للفلسفة الألمانية، والفلسفة الإنسانية أجمع.

من فكرة إلى دزينة أفكار

إن عملية الإنتاج الفكري عند فريديرك نيتشه، لا تقتصر إطلاقًا، بسياق معين، خاص وخاضع، بل تتعداه لتصبح أقرب للكونية مقارنة بالفلاسفة الآخرين، حيث إن هذا الفيلسوف حاول جاهدًا -بالرغم من مشاكله الصحية والعقلية العديدة التي واجهته-، أن يتبين للعالم أن خطاه للتحقيق الكامل والرفاه، في طريق الخطأ والتعثر، حيث ركز نيتشه في أفكاره حول كيفية صناعة إنسان قابل للتكيف مع مجريات العصور أجمع، بحيث يقدر على إيجاد حلول عملية للمشاكل التي تواجهه داخل منظومته، وقد أطلق عليه في كتاباته بالإنسان الخارق، والذي يحاول نيتشه من خلال هذه التسمية صناعة شكل جديد من الإنسان العاقل الذي يتناسب مع البيئة اليومية.

بحيث يقدر على التواصل بشكل أسلم وأسلس بعيدًا عن التفسيرات الدينية والميتافيزيقية، والذي يعتبرها نيشته من الأمور التي أودت بالبشرية إلى الحضيض، فالدين عند هذا الفيلسوف هو قصور كلي في فهم الطبيعة الذاتية، والتمكن من أمور الحياة، فالدين هو امتداد لأساطير وخرافات ميثالوجيا، وأساطير ضعيفة، فالعقلية الدينية في اعتباره ما هي إلاّ حالة رجعية للإنسان الأول، فالإنسان واع بذاته بالضرورة، والدين يفقد الإنسان هذا الوعي الضروري بذاته وبسلوكه، وبمعنى حياته.

لم يكن نيتشه إطلاقًا متشبثًا بأصولية دينية كما ادعى البعض، ولكن كان يحاول في كل لحظة ممكنة إمساك الفأس محاولا كسر أصنام الجهل والتخلف والعقائد الدينية والأيديولجية، التي قد سطرت وشكلت تلك الفترة التاريخية الحساسة من حياته ومن حياة مجتمعه بأكمله.

لا يستطيع أحد في العالم إنكار أهمية الدين في صقل وإخراج السلوكيات، بل يتعدى الأمر هذا الحد، ليصل إلى جهود حكومية كبرى في تطبيق الشرائع الديينة كالفاتيكان وبعض الدول العربية التي تستمد قوانينها من روح الشريعة المسيحية والإسلامية، وهذا قد ما يفسره البعض على أنه عجز في خلق منظومة قانونية مستمدة من تشريعات وضعية تناسب كافة الأجناس والديانات المتواجدة داخل الحدود الجغرافية للدول، وعند التحدث عن الدول الإسلامية، دائمًا ما يخالجني شعور بالحيرة والافتراض؛ ماذا لو كان نيشته مسلمًا؟
أعتقد أنني سأقوم بإجابة مقتضبة ترضي تطلعي لمعرفة حل هذا التشابك فقط، وهي مقسمة إلى شقين أو إفتراضين أساسيين:

1. لن يكون هناك نيتشه في مجتمعاتنا: سأجزم بالمطلق بأن تفكير فريديرك قد أعاد للفلسفة الإنسانية رونقها، وهذا بالتأكيد راجع للكثير من المؤشرات المساعدة للنهوض؛ بفكر كهذا وهكذا فيلسوف، فالبيئة الأوروبية ساعدت بشكل كبير في تبلور الفكر النيتشوي، وهذا من خلال انتشار المسيحية المتضررة من جراء الثورات المختلفة لإسقاط الحكم الديني، وبالتالي تشكل جوهر نيشته، وبرز للعيان من خلال هذه الأزمة التي وقعت فيها الديانة المسيحية، ففي كتابه موت الإله وجه نقدًا عنيفًا للذات الإلهية المحصورة في أدمغة البشر.

وحاول خلق إله جديد يتناسب وفطرة الإنسان وقدرة المجتمع في تلك الفترة على تحمل أنه لا يوجد إله كما ترسمه مخليتكم وأناجيلكم، بل يوجد إنسان خارق يصل لمرتبة الإله، وعند الرجوع إلى منطقة إنتشار الديانة الإسلامية لا نجد ركود من هذا النوع، أو تأزم في رؤية الناس للدين والإله، فالتشبت بالديانة الإسلامية في المنطقة المحلية كان أكثر ضراوة وحدة من الناحية العقائدية، وكان من الصعب إيجاد خلل أو ثغرة للمرور منها، وهذا راجع بالتأكيد للفترات الحكم المتواصلة والفتوحات الدموية باسم الإسلام من جهة، وبروز الإسلام كديانة جديدة من جهة أخرى.

2. إذا كان هناك نيشته، إذا تواجد نيتشه في منطقتنا العربية فالتأكيد لن يقدر على مجابهة الدين كنظرية، بل عدوه الأعراف المجتمعية والمتدينين أو ما يسمى بالتدين الشعبوي، فالمسلمون هم أكثر المؤمنين تدينًا بالفطرة، أو كما أسماه الراحل محمد شحرور بـ«دين الأباء»، حيث يرى نيشته أن إصلاح القبلية والعصبية هما أكثر مجهودين يجب تكثيف العمل عليهما، لأن العقلية العربية كما هو معروف عقلية بدوية كما يشير إليها ابن خلدون في كتابه ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، والمسمى بالمقدمة، فالإصلاح المنظومة الذهنية وسبل التفكير، وإدراج منهجية عامة لإعمال العقل مع النصوص الدينية، والابتعاد عن التخاريف رجال الدين، الذين يحاولون كسب قوتهم بتجارة الأفواه المملوؤة بسذاجة والعبط، ففي اعتباري أن هذه الفئة من أكثر الفئات التي سيضعها نيتشه في جدول أعماله، لمحاربتها وكشف عوراتها والإخلال بها.

نيشته هو نبي الأمس، ونبي اليوم، فالعقلية والرجاحة التي كان يتميز بها هذا الفيلسوف العظيم، فتحت له الأبواب على مصارعها لدخول التاريخ، وتنظيف عقول البشر، وتحريك المياه الراكدة، وتطبيب الثقافة المريضة التي عانت منها البشرية لقرون كثيرة من الزمن.
لروحك السلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ماذا, نتيشه
عرض التعليقات
تحميل المزيد